نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين جلد : 1 صفحه : 265
وحقد الحجاج على أصحاب رسول الله لم يقتصر على عبد الله بن عمر ، فقد امتدت الحياة بثلاثة من الصحابة إلى أن أدركت عصر الحجاج . وعوضا عن أن يكون هؤلاء الثلاثة في شيخوختهم الواهنة موضع الإجلال والتكريم ، وان يرى الناس فيهم بقية ذلك السلف الصالح الذي رأى النبي وعاشره وتعلم منه فيتبركون بهم ويرفعون من شأنهم ، عوضا عن ذلك ، لم ير فيهم الحجاج إلا موضعا للاذلال ، فقد قال في ( أسد الغابة ) ما يلي بنصه : « ختم الحجاج في عنق سهل الساعدي وانس بن مالك وفي يد جابر بن عبد الله يريد إذلالهم » ، وهؤلاء الثلاثة كانوا آخر من بقي من أصحاب رسول الله . فإذا كانت الناحية الإنسانية لا تهم ( الكاتب ) فلا تروعه مجازر عشرات الألوف ، أفما كان يقتضي ان تهمه الناحية الإسلامية فيغضب لاهانة عمر بن الخطاب في شخص ابنه عبد الله ، وقبل ذلك لاهانة الرسول في اشخاص أصحابه ؟ ونريد ان نسأل الكاتب عن « الأمن والايمان والأمانة والأمان » فيما سنقصه عليه ، وهو صورة عما كان يعانيه الشعب في ظل الحاكم الذي يعجب به هذا الكاتب . أحدث الحكام الذين تولوا حكم العرب والمسلمين منذ السنة ( 41 ) هجرية وظيفة جديدة لتثبيت حكمهم هي وظيفة ( صاحب العذاب ) . ويغني ذكر اسم الوظيفة لمعرفة مهمة متولي أمرها . ولقد كان لعبيد الله بن زياد بن سمية ( صاحب عذاب ) ، ومن قصصه ما رواه ابن عبد البر في كتاب ( الاستيعاب ) وهو يتحدث عن الصحابي قيس بن خرشة القيسي : « أراد عبيد الله بن زياد تعذيبه لأنه كان قوالا بالحق ، فلما أعد له العذاب مات قبل ان يصيبه شيء » . وصاحب السيرة الحلبية يقول وهو يروي القصة : « ان عبيد الله بن زياد قال : اؤتوني بصاحب العذاب ، فمال عند ذلك قيس فمات » . لقد كان مجرد ذكر ( صاحب العذاب ) كافيا لأن يحدث صدمة في نفس الصحابي قيس بن خرشة فيموت في الحال . وفي عهد الحجاج كان اسم ( صاحب العذاب ) ( معد ) . ويروي صاحب كتاب ( النجوم الزاهرة ) ما جرى لحطيط الزيات الكوفي مع الحجاج : وبعد ان يعدد المؤلف بعض صفات حطيط الزيات بقوله : « كان عابدا زاهدا يصدع بالحق » ، يروي حوارا جرى بينه وبين الحجاج ، كان فيه حطيط شجاعا صريحا لم يحد عن خطه المستقيم . فقال معد ( صاحب العذاب ) : اني أريد أن تدفعه إلي فو الله لأسمعنك صياحه ، فسلمه إليه فجعل يعذبه ليلته كلها وهو ساكت . فلما كان وقت الصبح كسر ساق حطيط ، ثم دخل عليه الحجاج فقال له : ما فعلت بأسيرك ، فقال : إن رأى الأمير ان يأخذه مني فقد أفسد علي أهل سجني ، فقال الحجاج علي به ، فعذبه بأنواع العذاب وهو صابر ، فكان ياتي بالمسال فيغرزها في جسمه وهو صابر ، ثم لفه في بارية والقاه حتى مات . أهذا هو ( الأمن والأمان والأمانة والايمان ) التي يصف بها الكاتب صاحبه الحجاج ؟ وإذا كان الكاتب لا تعنيه الناحية الإنسانية ، ولا يؤثر فيه ذبح عشرات الألوف ، أفلا تؤثر فيه الناحية الإسلامية فيرثي لحال المسلم الذي وصف بأنه « عابد زاهد يصدع بالحق » ويتورع عن الثناء على من هذه أفعاله مع المسلمين الزاهدين العابدين الصادعين بالحق . ومن الطريف العجيب المحزن في الوقت نفسه ان يذكر الكاتب قصة يعلم هو قبل غيره أنها خرافة من الخرافات ، لذلك يقرن روايته لها بقوله : ( كما تقول الرواية ) وبقوله : ( ويقال ) . والقصة تكذب نفسها بنفسها ، وخلاصتها ان قائد الحجاج طلب من ملك الهند أن يملأ له قاعة القصر ذهبا ليكون ذلك الذهب غرامة حربية وان الملك استجاب لذلك فملأ القاعة ذهبا ! ان الكاتب نفسه يعلم ان أحدا ذا عقل سليم لا يمكن ان يصدق هذه الرواية ، لذلك قرنها - كما ذكرنا من قبل - بقوله ( كما تقول الرواية ) و ( يقال ) . ومع ذلك فقد انهى القصة بجعله لها حقيقة مسلمة فقال : « أرسل القائد الشاب ذلك الذهب كله إلى الحجاج حاكم العراق ، وأنفق الحجاج هذا المال في إصلاح العراق وفي حاجات البلاد المفتوحة ! » . ليتصور القارىء قاعة قصر امبراطور الهند ، وليتصور سعتها ومساحتها بالأمتار المكعبة . إنها ليست كوخا ، بل قاعة قصر امبراطور الهند ، وكفى ذلك وصفا لطولها وعرضها وارتفاعها ، ليتصور القارىء ذلك ، فإذا تصوره فهل يتصور ان إنسانا ذا عقل سليم يمكن ان يصدق ان أحدا يمكنه ان يملأها ذهبا ، ولو كان امبراطور الهند ، لا سيما إذا كان هذا الأمر قد تم في طرفة عين ! بمثل هذه الخرافات الساذجة المفضوحة يريدون ان يغطوا فظائع جلادي الشعوب . كلمة الختام كما قلت في مقدمة الكتاب : إذا بقيت في الحياة بقية - وانا الآن عند تحرير هذه الكلمات في السابع من جمادى الثانية سنة 1407 والسادس من شباط سنة 1987 على أبواب الثمانين - إذا بقيت في الحياة بقية ، فاني سأتابع تدوين ما يجب تدوينه واستدراك ما فات وإذا شاءت إرادة الله غير ذلك فلعل وراء الغيب من سيوفقه الله للسير بموسوعة ( أعيان الشيعة ) مع الزمن جيلا بعد جيل لتظل مؤدية رسالتها ، ناهضة بمهمتها ، وليس ذلك على الله بعزيز . والآن - وانا اخط آخر سطر في هذه المستدركات - أودع القراء الكرام وداع المشوق إليهم ، المعتز بهم ، الشاكر عطفهم . أودعهم وانا لا أدري ان كان سيقدر لي بعد ان ألقاهم أم لا . فإذا شاء الله ان ألقاهم مرة ثانية فسيطول الحديث بيننا ، وإذا لم يشأ ذلك فليذكروا ابدا هذا الذي حرص كل الحرص وجهد كل الجهد على أن يقدم لهم الحقائق ناصعة ، وان يحفظ تاريخ فئة من الناس كان يخشى عليها الضياع . أقول هذا وانا اعرف ان الكمال لله وحده ، وكم يكون متفضلا علي من يرشدني إلى خطا وقعت فيه ، أو يدلني على حقيقة جهلتها . هذه كلمتي إلى الجيل الذي يعاصرني واعاصره ، أما الأجيال الآتية التي ستقرأ ما دونته لها في هذه الأوراق ، ستقرأ ذلك في ازمان غير زمننا وأحوال غير حالنا ، فلعلها ستجد فيما ستقرؤه بعض الصورة عنا : أدبا وعلما وفكرا ونضالا . فإذا وجدت ذلك فحسبي به تعزية عن كل عناء كابدته في سبيل إيصال هذه الصورة إليها . وسلام عليكم أيها القارؤن في هذا الربع الأخير من القرن العشرين ، وأيها القارؤن فيما بعده من قرون . حسن الأمين ابن السيد محسن الأمين
265
نام کتاب : مستدركات أعيان الشيعة نویسنده : حسن الأمين جلد : 1 صفحه : 265