ابن قتيبة على هذا القول وبغداد آنذاك مقرّ الثقافة الإسلامية المزدهرة ومركز مرموق للحياة الأدبية والعقلية معا ؟ وإذا لم تنحصر موضوعات « عيون الأخبار » [1] في القرآن والسّنّة وشرائع الدين وعلم الحلال والحرام فإنها - كما يقول ابن قتيبة - مرشدة لكريم الأخلاق ، زاجرة عن الدناءة ، ناهية عن القبيح ، باعثة على صواب التدبير ؛ لأنّ علم الدين والحلال والحرام تقليد لا يجوز أن نأخذه إلَّا عمّن نراه حجّة . كذلك لم يكن كتابه هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب الآخرة ، ولا على خواص الناس دون عوامّهم ، ولا على ملوكهم دون سوقتهم ، بل وفّى كلّ فريق منهم قسمه . ولكي يروّح عن القارئ من كدّ الجدّ ، ضمّن هذا الكتاب نوادر طريفة وكلمات مضحكة تدخل في باب المزاح والفكاهة . يقول : « مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين » . وكان ابن قتيبة يتلقّط أخباره عن جلسائه وإخوانه وعمّن فوقه في السنّ والمعرفة ، كما وقف على كتاب التاج ، وكتاب الآيين ، وكتاب إبرويز ، وآداب ابن المقفع ، وكتب الهند ولكن دون أن يذكر اسما لكتاب هندي اعتمد عليه . يقول مثلا : « قرأت في كتاب للهند إنّ فلانا . . . » كما اعتمد على أقوال علي ابن أبي طالب ، رضي اللَّه عنه ، وعلى أقوال بزرجمهر ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي حاتم السّجستاني ، وأحمد بن الخليل ، وعبد الرحمن بن عبد المنعم ، وأبي سهل ، وعبد الملك بن مروان ، وميمون بن ميمون ، والمدائني ، وأبي عبّاد الكاتب ، وابن الأعرابي ، ومحمد بن عبيد ، ومحمد بن داود ، وعلي بن محمد ، وابن سيرين وغيرهم . وقد لجأ إلى الإتيان بأخبار وأشعار اتّضعت عن
[1] ذكره أبو الطَّيب اللغوي الحلبي ، والنديم ، والخطيب البغدادي ، وابن الأنباري ، والقفطي ، وابن خلَّكان ، والسمعاني ، وابن العماد الحنبلي ، وحاجي خليفة ، وبروكلمان ، كما ذكر في دائرة المعارف الإسلامية وفي أماكن أخرى .