نام کتاب : تاريخ ابن خلدون نویسنده : ابن خلدون جلد : 1 صفحه : 427
وحكمهم وشرفهم ومحكا لقرائحهم في إصابة المعاني وإجادة الأساليب واستمروا على ذلك وهذا التناسب الذي من أجل الاجزاء والمتحرك والساكن من الحروف قطرة من بحر من تناسب الأصوات كما هو معروف في كتب الموسيقى إلا أنهم لم يشعروا بما سواه لأنهم حينئذ لم ينتحلوا علما ولا عرفوا صناعة وكانت البداوة أغلب نحلهم ثم تغنى الحداة منهم في حداء إبلهم والفتيان في فضاء خلواتهم فرجعوا الأصوات وترنموا وكانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء وإذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغبيرا بالغين المعجمة والباء الموحدة وعللها أبو إسحاق الزجاج بأنها تذكر بالغابر وهو الباقي أي بأحوال الآخرة وربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة كما ذكره ابن رشيق آخر كتاب العمدة وغيره وكانوا يسمونه السناد وكان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص عليها ويمشى بالدف والمزمار فيضطرب ويستخف الحلوم وكانوا يسمون هذا الهزج وهذا البسيط كله من التلاحين هو من أوائلها ولا يبعد أن تتفطن له الطباع من غير تعليم شان البسائط كلها من الصنائع ولم يزل هذا شان العرب في بداوتهم وجاهليتهم فلما جاء الاسلام واستولوا على ممالك الدنيا وحازوا سلطان العجم وغلبوهم عليه وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين وشدته في ترك أحوال الفراغ وما ليس بنافع في دين ولا معاش فهجروا ذلك شيئا ما ولم يكن الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم فلما جاءهم الترف وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء الفراغ وافترق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي للعرب وغنوا جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب بن جابر مولى عبيد الله ابن جعفر فسمعوا شعر العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن شريح وأنظاره وما زالت تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وابنه حماد وكان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث بعده به بمجالسه لهذا العهد وأمعنوا في اللهو
427
نام کتاب : تاريخ ابن خلدون نویسنده : ابن خلدون جلد : 1 صفحه : 427