نام کتاب : التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام نویسنده : الشيخ محمد مهدي شمس الدين جلد : 1 صفحه : 111
إسم الكتاب : التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام ( عدد الصفحات : 205)
وملوكا على رقاب العالمين . فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة وتشتتت الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعبوا مختلفين ، وتفرقوا متحاربين ، قد خلع الله عنهم لباس كرامته . وسلبهم غضارة نعمته 1 ، وبقي قصص أخبارهم فيكم عبرا للمعتبرين منكم . فاعتبروا بحال ولد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل عليهم السلام ، فما أشد اعتدال الأحوال 2 وأقرب اشتباه الأمثال . تأملوا أمرهم في حال تشتتهم وتفرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم . يختارونهم عن ريف الآفاق 3 ، وبحر العراق 4 وخضرة الدنيا ، إلى منابت الشيح ومهافي الريح 5 ، ونكد المعاش 6 فتركوهم عالة مساكين ، إخوان دبر ووبر 7 ، أذل الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظل ألفة يعتمدون على عزها ، فالأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرقة ، في بلاء أزل 8 وأطباق جهل 9 ، من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة . فانظروا إلى مواقع نعم الله عليهم حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملته طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم كيف نشرت النعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها . والتفت الملة بهم في عوائد بركتها ، فأصبحوا في نعمتها غرقين 10 وفي خضرة عيشها فكهين 11 قد تربعت الأمور بهم 12 في ظل سلطان قاهر وآوتهم الحال إلى كنف عز غالب 13
( 1 ) الغضارة : النعمة اللينة الطيبة . ( 2 ) ما أشد اعتدال الأحوال : ما أشبه الأشياء بعضها ببعض . ( 3 ) الريف : الأرض ذات الخصب والزرع ، والجمع أرياف . ( 4 ) بحر العراق : دجلة والفرات . قال ابن أبي الحديد : 13 / 173 أما الأكاسرة فطردوهم عن بحر العراق ، وأما القياصرة فطردوهم عن ريف الآفاق أي عن الشام وما فيه من المرعى والمنتجع . ( 5 ) يقصد البادية الخالية من الزرع والمياه والعمران . ( 6 ) نكد المعاش : قلته ، وصعوبة الحصول عليه ، وخشونته . ( 7 ) عالة : فقراء ( دبر ووبر ) دبر البعير عقرة القتب . والوبر للبعير بمنزلة الصوف للضأن . يريد أنهم كانوا عالة فقراء يمثل البعير ثروتهم ، ومرضه شغلهم الشاغل . ( 8 ) الأزل : الضيق والشدة ، يريد بلاء شديدا شغلهم عن كل شئ . ( 9 ) أطباق ، جمع طبق . أي جهل متراكم بعضه فوق بعض . ( 10 ) غرقين : من الغرق ، مبالغة في وصف ما هم فيه من النعمة . ( 11 ) فكهين : بمعنى ناعمين . ( 12 ) تربعت الأمور بهم ، أي أقامت ، من : ربع بالمكان أي أقام فيه ، يعني استقرار أحوالهم السياسية والمعيشية . ( 13 ) آوتهم الحال : ضمتهم وأنزلتهم ، والكنف : الجانب .
111
نام کتاب : التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام نویسنده : الشيخ محمد مهدي شمس الدين جلد : 1 صفحه : 111