وغيره - من أن نأتي بكلّ ما أتى به المصنّفون والرواة منها على كثرة حشوه وقلَّة فائدته ، وفي هذا نقض ما شرطناه من إلغاء الحشو ، أو أن [1] نأتي ببعض ذلك فينسب الكتاب إلى قصور عن مدى غيره . وكذلك تجري أخبار الشعراء . فلو أتينا بما غنّي به شعر شاعر منهم ولم نتجاوزه حتى نفرغ منه ، لجرى هذا المجرى ، وكانت للنفس عنه نبوة ، وللقلب منه ملَّة ، وفي طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء ، والاستراحة من معهود إلى مستجدّ . وكلّ منتقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه ، والمنتظر [2] أغلب على القلب من الموجود . وإذا كان هذا هكذا ، فما رتّبناه أحلى وأحسن ، ليكون القارىء له بانتقاله من خبر إلى غيره ، ومن قصة إلى سواها ، ومن أخبار قديمة إلى محدثة ، ومليك إلى سوقة ، وجدّ إلى هزل ، أنشط لقراءته وأشهى لتصفّح فنونه ، لا سيّما والذي ضمّنّاه إيّاه أحسن جنسه ، وصفو ما ألَّف في بابه ، ولباب ما جمع في معناه . وكلّ ما ذكرنا فيه من نسب الأغاني إلى أجناسها فعلى مذهب إسحاق بن إبراهيم الموصليّ وإن كانت رواية النسبة عن غيره ؛ إذ كان مذهبه هو المأخوذ به اليوم دون / [ مذهب ] [3] من خالفه ، مثل إبراهيم بن المهديّ ، ومخارق وعلَّوية وعمرو بن بانة ومحمد بن الحارث بن بسخنّر [4] ومن وافقهم ؛ فإنهم يسمّون الثّقيل الأوّل وخفيفه الثقيل الثاني وخفيفه ، ويسمّون الثقيل الثاني وخفيفه الثقيل الأوّل وخفيفه ، وقد اطَّرح ما قالوه الآن وترك ، وأخذ الناس بقول إسحاق . الباعث لأبي الفرج على تأليف الكتاب قال مؤلف هذا الكتاب : والذي يعثني على تأليفه أنّ رئيسا من رؤسائنا كلَّفني جمعه له ، وعرّفني أنه بلغه أن الكتاب [5] المنسوب إلى إسحاق مدفوع أن يكون من تأليفه ، وهو مع ذلك قليل الفائدة ، وأنه شاكّ في نسبته [6] ؛ لأن أكثر أصحاب إسحاق ينكرونه ، ولأن ابنه حمّادا أعظم الناس إنكارا لذلك . وقد لعمري صدق فيما ذكره ، وأصاب فيما أنكره . أخبرني محمد بن خلف وكيع قال : سمعت حمّادا يقول : ما ألَّف أبي هذا الكتاب قطَّ ولا رآه . والدليل على ذلك أنّ أكثر أشعاره المنسوبة التي جمعت فيه إلى ما ذكر معها من الأخبار ما غنّى فيه أحد قطَّ ، وأنّ أكثر نسبه إلى المغنّين خطأ ؛ والذي ألَّفه أبي من دواوين الغناء [7] يدلّ على بطلان هذا الكتاب ، وإنما وضعه ورّاق كان لأبي بعد وفاته ، سوى الرّخصة [8] التي هي أوّل الكتاب ؛ فإن أبي - رحمه اللَّه - ألَّفها ؛ / لأن أخبارها كلَّها من روايتنا . هذا ما سمعته من أبي بكر حكاية [ فحفظته ] [9] واللفظ يزيد وينقص .
[1] في الأصول : « وأن » تحريف . [2] في م ، ء ، أ : « والمبتكر » . [3] زيادة في ت . [4] كذا يرد هذا الاسم في نسخة ط التي سيأتي وصفها في الجزء الثاني . وقد صححه كذلك بهذا الضبط الأستاذ الشنقيطي بهامش نسخته . وفي ت ، ح ، ر : « بشخير » وفي سائر النسخ : « شخير » . [5] هو كتاب « الأغاني الكبير » كما في « فهرست ابن النديم » طبع ليبزج ص 141 . [6] كذا في ب ، س . وفي سائر النسخ : « نسبه » . [7] كذا في أ ، م ، ء وفيهما عن نسخة أخرى « الشعراء » . وفي ت : « غنائهم » . وفي باقي النسخ : « غنائه » . [8] قال في « الفهرست » : « وهذا الكتاب ( يريد كتاب » الأغاني الكبير « ) يعرف في القديم بكتاب » الشركة « ، وهو أحد عشر جزءا لكل جزء أوّل يعرف به ؛ فالجزء الأول من الكتاب » الرخصة « وهو تأليف إسحاق لا شك فيه ولا خلف » . [9] هذه الكلمة ساقطة من ب ، س ، ح ، ر .