إنسان وذاك فرس وذلك شجر ونحو ذلك ، وتارة بأن هذا بالفعل وذاك بالقوة وهذا وأحد وذاك كثير وهذا حادث وذاك قديم وهذا ممكن وذاك واجب وهكذا . وقد ثبت بما أوردناه في الفصل السابق [1] أن الكثرة من الجهة الأولى - وهي الكثرة الماهوية - موجودة في الخارج بعرض الوجود ، وأن الوجود متصف بها بعرض الماهية ، لمكان أصالة الوجود واعتبارية الماهية . وأما الكثرة من الجهة الثانية فهي التي تعرض الوجود من جهة الانقسامات الطارئة عليه نفسه ، كإنقسامه إلى الواجب والممكن وإلى الواحد والكثير وإلى ما بالفعل وما بالقوة ونحو ذلك ، وقد تقدم في الفصل السابق [2] أن الوجود بسيط وأنه لا غير له . ويستنتج من ذلك أن هذه الكثرة مقومة للوجود - بمعنى أنها فيه غير خارجة منه - ، وإلا كانت جزءا منه ، ولا جزء للوجود ، أو حقيقة خارجة منه ولا خارج من الوجود . فللوجود كثرة في نفسه ، فهل هناك جهة وحدة ترجع إليها هذه الكثرة من غير أن تبطل بالرجوع ، فتكون حقيقة الوجود كثيرة في عين أنها واحدة ، وواحدة في عين أنها كثيرة ، وبتعبير آخر : حقيقة مشككة ذات مراتب مختلفة يعود ما به الامتياز في كل مرتبة إلى ما به الاشتراك - كما نسب إلى الفهلويين ( 3 ) - ، أو لا جهة وحدة فيها ، فيعود الوجود حقائق متباينة بتمام الذات ، يتميز كل منها من غيره بتمام ذاته البسيطة لا بالجزء ولا بأمر خارجي - كما نسب إلى المشائين ( 4 ) - ؟ الحق أنها حقيقة واحدة في عين أنها كثيرة ( 5 ) ، لأنا ننتزع من جميع مراتبها
[1] أي الفصل الثاني من هذه المرحلة . [2] في الفرع الثالث من الفروع المذكورة في الفصل الثاني . ( 3 و 4 ) راجع شرح المنظومة ص 22 - 23 و 43 - 44 ، والأسفار ج 1 ص 432 - 433 . ( 5 ) إن الأقوال في حقيقة الوجود ثمانية : الأول : ما ذهب إليه الأشاعرة ، وهو أن الوجود مشترك لفظي مطلقا أي في جميع ما يطلق عليه لفظ الوجود من الواجب والممكن بأقسامه . الثاني : أن الوجود مشترك لفظي بين الواجب والممكن ومشترك معنوي بين أقسام الممكن . كما ذهب إليه جماعة من المتأخرين . الثالث : أن الوجود مشترك معنوي في كل ما يطلق عليه ، وليس له فرد أصلا ، وتكثره إنما هو بالوجودات المضافة إلى الماهيات المعبرة عنها بالحصص . وهو مذهب جماعة من المتكلمين . الرابع : أن الوجود مشترك معنوي في كل ما يطلق عليه ، وله أفراد متعددة ، غاية الأمر واحد منها موجود خارجي وهو الواجب ( تعالى ) وما سواه أمور خارجية غير قائمة بذاتها لا موجودات خارجية . وهذا ما ذهب إليه السيد الشريف والمحقق اللاهيجي . الخامس : أن الوجود له فرد واحد في الخارج وراء الحصص ، وهذا الفرد هو الواجب ( تعالى ) وليس للممكنات وجودات أخر وراء الحصص ، فالوجود واحد والموجود كثير ، وهو قول المحقق الدواني ونسبه إلى ذوق المتألهين . السادس : أن الوجود له أفراد متعددة كلها موجودة في الخارج بالأصالة ، وتلك الأفراد بسايط متباينة بتمام الذات غاية الأمر أنها مشترك في مفهوم الوجود . وهو قول المشائين . السابع : أن الوجودات بل الموجودات ليست متكثرة في الحقيقة ، بل هنا موجود واحد هو الله ( تعالى ) قد تعددت شؤونه وتكثرت أطواره . وهذا ما ذهب إليه الصوفية . الثامن : أن للوجود أفرادا متعددة كلها موجودة في الخارج والوجود فيها حقيقة واحدة متشككة ، واختلافها إنما هو بالشدة والضعف وغيرهما من أقسام التشكيك . وهذا ما نسب إلى الفهلويين ، واختاره صدر المتألهين " قدس سره " ، وتبعه المصنف " قدس سره " . وأما البحث عن كل واحد من هذه الأقوال يحتاج إلى رسالة خاصة ، فتدبر .