نام کتاب : شرح فصوص الحكم نویسنده : مؤيد الدين الجندي جلد : 1 صفحه : 653
فيها الهدى والرحمة ، فالهدى بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه ممّا هو هارون بريء منه . والرحمة بأخيه . فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره وأنّه أسنّ منه ، وكان ذلك من هارون شفقة على موسى ، لأنّ نبوّة هارون من رحمة الله ، فلا يصدر منه إلَّا مثل هذا ، ثم قال هارون لموسى عليهما السّلام * ( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) * [1] فتجعلني سببا في تفريقهم ، فإنّ عبادة العجل فرّقت بينهم ، وكان منهم من عبده اتّباعا للسامريّ وتقليدا له ، ومنهم من توقّف عن عبادته ، حتى يرجع موسى إليه ، فيسألونه في ذلك ، فخشي هارون أن ينسب ذلك الفرقان بينهم إليه ، وكان موسى أعلم بالأمر من هارون ، لأنّه علم ما عبده أصحاب العجل ، لعلمه بأنّ الله قد قضى ألَّا يعبد إلَّا إيّاه وما حكم الله بشيء إلَّا وقع ، فكان عتب موسى لأخيه هارون لما وقع الأمر في إنكاره وعدم اتّساعه ، فإنّ العارف من يرى الحق في كل شيء [ بل يراه عين كلّ شيء ] وكان موسى يربّي هارون تربية علم ، وإن كان أصغر منه في السنّ » . قال العبد : يريد التربية الربانية المتعيّنة لهارون في مادّة موسى عليهما السّلام فإنّ التربية لا تكون حقيقة إلَّا من الربّ ، لأنّ نبوّته من رحمة ربانية بموسى ، حتى يكمل بهارون أمره ويشدّ به أزره ، فكان في تربية هارون وموسى من حيث لا يشعر بذلك إلَّا من شاء الله ، فإنّ جميع أفعال العبيد التي يجري الله على أيديهم صور نسب أحكام حقائقهم ، فيوجدها الله على حكم وعلوم تفرّد بعلمها هو ومن أعلمه بها ، فوقوع العتب وعدم التثبّت وإلقاء الألواح من موسى وأخذه بلحية هارون ورأسه تأثير قويّ ، غير متوقّع من مثله في مثل أخيه الذي هو أكبر منه سنّا ، إنّما حصل لتنبيهه وتربيته على معرفة أسرار ما وقع من عبادة العجل وهو سرّ عظيم طوي عن الأنبياء من حيث نبوّاتهم ، فيعلمهم من حيث ولايته لهم ، فيعلمون آخرا ، فافهم . وهاهنا دقيقة أخرى وهي أنّ موسى عليه السّلام كان في مبالغته في عتب أخيه يرى قومه أنّ عبادة غير الله - أو ما يسمّى في زعم أهل الحجاب غيرا وسوى أو تعيّنا جزئيا في