نام کتاب : الفتوحات المكية نویسنده : إبن عربي جلد : 1 صفحه : 542
حق المؤمن جانب الابتياع فكان المؤمن ملك حلة الإباحة وحلة الوجوب فخلع عن نفسه حلة الإباحة وليس حلة الوجوب وكلاهما له فسمى خلعه لها بيعا وما سمي لباسه للوجوب شراء فإنها ملكه ورحله ومتاعه والإنسان لا يشتري ما يملكه ولما حجر الله الضلال على خلقه ورجح من رجح منهم الضلال على الهدى اشتروا الضلالة فإنهم لم يكونوا يملكونها بالهدى الذي ملكهم الله إياه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين في ذلك الشراء لأن الله ما شرع لعباده الشراء ثم قال تعالى بعد قوله ولا بيع عن ذكر الله أي لا يلهيهم شئ عن ذكر الله حين سمعوا المؤذن في هذا البيت يدعوا إلى الله وهو حاجب الباب فقال لهم حي على الصلاة أي أقبلوا على مناجاة ربكم فإنه قد تجلى لكم في صدر بيته وهي القبلة فإن الله في قبلة العبد فبادر أهل الله من بيعهم وتجارتهم المعلومة في الدنيا إلى هذا الذكر عند ما سمعوه فأقاموا الصلاة أي أتموا نشأتها حين أنشؤها بحسن الائتمام بإمامهم وحسن الركوع والسجود وما تتضمنه من ذكر الله الذي هو أكبر ما فيها كما أخبر الله تعالى فقال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بسبب تكبيرة الإحرام فإنه حرم عليه التصرف في غير الصلاة ما دام في الصلاة فذلك الإحرام نهاه عن الفحشاء والمنكر فانتهى فصح له أجر من عمل بأمر الله وطاعته وأجر من انتهى عن محارم الله في نفس الصلاة وإن كان لم ينو ذلك وانظر ما أشرف الصلاة كيف أعطت هذه المسألة العجيبة وهي أن الإنسان إذا تصرف في واجب فإن له ثواب من تصرف في واجب ويتضمن شغله بذلك الواجب عدم التفرع لما نهي عنه أن يأتيه من الفحشاء والمنكر فيكون له ثواب من نوى أن لا يفعل فحشاء ولا منكرا فإن أكثر الناس تاركون ما لهم هذا النظر لعدم الحضور باستحضار الأولى ولو لم يكن الأمر كذلك لما أعطى فائدة في قوله إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والصلاة فعل العبد فهو بصلاته ممن ينهى عن الفحشاء والمنكر فيكون له بالصلاة أجر من ينهى عن الفحشاء والمنكر وهو لم يتكلم فله أجر عبادتين أجر الصلاة وهي عبادة وأجر النهي عن الفحشاء وهو عبادة وقليل من أصحابنا من يجعل ذهنه في عباداته إلى أمثال هذه المراقبات في التعريف الإلهي على لسان الشارع في الكتاب والسنة ثم قال ولذكر الله أكبر يعني فيها فهو أكبر من جملة أفعالها فإنها تشتمل على أقوال وأفعال فقال ولذكر الله في الصلاة أكبر أحوال الصلاة وما كل أقوال الصلاة ذكر فإن فيها الدعاء وقد فرق الحق بين الذكر والدعاء فقال من شغله ذكري عن مسألتي وهي الدعاء فما هو الذكر هنا الذكر الخارج عن الصلاة حتى ترجحه على الصلاة إنما هو الذكر الذي في الصلاة فهذا من ربط الصلاة بالمكان والحال ومن أحوال إقامة الصلاة فيمن أمر غيره بالبر ونسي نفسه توبيخ الله من هذه صفته وجعله إياه بمنزلة من لا عقل له فقال أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون والبر من جملة أحوال الصلاة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أقرت الصلاة بالبر والسكينة ثم أمر من هذه صفته أن يستعين بالصبر والصلاة يعني بالصبر على الصلاة فقدم حبس النفس عليها فإن الله يقول وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها فأنت يريد الصلاة وأما قوله وأنتم تتلون الكتاب فإنكم تجدون فيه قوله كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون في أثر قوله يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون وهذه حالة من أمر بالبر غيره ونسي نفسه أفلا تعقلون يقول أما لكم عقول تنظرون بها قبيح ما أنتم عليه ثم ذكر الخشوع للصلاة فقال وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين فإن الخشوع لله لا يكون إلا عن تجل إلهي والصلاة مناجاة فلا بد من تجل إن رأيته خاشعا وإن لم يخشع في صلاته فما صلى فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل التجلي الإلهي سببا لوجود الخشوع في القلب ولا سيما في الصلاة والتجلي لأكثر الناس إما بالحضور وهو لأفراد وإما بالاستحضار الخيالي وهو الغالب في عموم الخواص فإن الله في قبلة المصلي وأما خشوع الأكابر الذين التحقوا بالملأ الأعلى فخشوعهم عن التجلي الحقيقي فهم في صلاتهم دائمون وإن أكلوا وشربوا ونكحوا وأتجروا فأمرهم الله تعالى إذا كانوا في مثل هذه الحال أن يستعينوا بالصلاة والصبر عليها فإن المصلي يناجي ربه فإذا حصل العبد في محل المناجاة مع ربه دائما استلزمه الحياء من الله فلا يتمكن له أن يأمر أحدا ببر وينسى نفسه منه بل يبتدئ بنفسه والبر هو الإحسان والخير ومن جملة ذلك أن يكون محتاجا للقمة يأكلها ويرى غيره محتاجا إليها والحاجة على السواء فيعطي غيره
542
نام کتاب : الفتوحات المكية نویسنده : إبن عربي جلد : 1 صفحه : 542