نام کتاب : الفتوحات المكية نویسنده : إبن عربي جلد : 1 صفحه : 424
أضاف سبحانه هذه الرحمة إلى التسع والتسعين رحمة فكانت مائة فأرسلها على عباده مطلقة في الدارين فسرت الرحمة فوسعت كل شئ فمنهم من وسعته بحكم الوجوب ومنهم من وسعته بحكم الامتنان فوسعت كل شئ في موطنه وفي عين شيئيته فتنعم المحرور بالزمهرير والمقرور بالسعير ولو جاء لكل واحد من هذين حال الاعتدال لتعذب فإذا اطلع أهل الجنان على أهل النار زادهم نعيما إلى نعيمهم فوزهم ولو اطلع أهل النار على أهل الجنان لتعذبوا بالاعتدال لما هم فيه من الانحراف ولهذا قابلهم بالنقيض من عموم المائة رحمة وقد كان الحكم في الدنيا بالرحمة الدنيا ما قد علمتم وهي الآن أعني في الآخرة من جملة المائة فما ظنك وكفى فبمثل هذا النظر يقول العارف في الصلاة الرحمن الرحيم ومن هنا يعرف ما يجيبه الحق به من هذا نظره ثم قال الله يقول العبد ملك يوم الدين يقول الله مجدني عبدي وفي رواية فوض إلى عبدي هذا جواب عام ورد عام كما قررنا ما المراد به فإذا قال العارف ملك يوم الدين لم يقتصر على الدار الآخرة بيوم الدين ورأى أن الرحمن الرحيم لا يفارقان ملك يوم الدين فإنه صفة لهما فيكون الجزاء دنيا وآخرة وكذلك ظهر بما شرع من إقامة الحدود وظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون وهذا هو عين الجزاء فيوم الدنيا أيضا يوم الجزاء والله ملك يوم الدين فيرى العارف أن الكفارات سارية في الدنيا وأن الإنسان في الدار الدنيا لا يسلم من أمر يضيق به صدره ويؤلمه حسا وعقلا حتى قرصة البرغوث والعثرة فالآلام محدودة موقتة ورحمة الله تعالى غير موقتة فإنها وسعت كل شئ فمنها ما تنال وتحكم من طريق الامتنان وهو أصل الأخذ لها الامتنان ومنها ما يؤخذ من طريق الوجوب الإلهي في قوله كتب ربكم على نفسه الرحمة وقوله فسأكتبها فالناس يأخذونها جزاء وبعض المخلوقات من المكلفين تنالهم امتنانا حيث كانوا فافهم فكل ألم في الدنيا والآخرة فإنه مكفر لأمور قد وقعت محدودة موقتة وهو جزاء لمن يتألم به من صغير وكبير بشرط تعقل التألم لا بطريق الإحساس بالتألم دون تعقله وهذا المدرك لا يدركه إلا من كشف له فالرضيع لا يتعقل التألم مع الإحساس به إلا أن أباه وأمه وأمثالهما من محبيه وغير محبيه يتألم ويتعقل التألم لما يرى في الرضيع من الأمراض النازلة به فيكون ذلك كفارة لمتعقل الألم فإن زاد ذلك العاقل الترحم به كان مع التكفير عنه مأجورا إذ في كل كبد رطبة أجر وكل كبد فإنها رطبة لأنها بيت الدم والدم حار رطب طبع الحياة وأما الصغير إذا تعقل التألم وطلب النفور عن الأسباب الموجبة للألم واجتنبها فإن له كفارة فيها لما صدر منه مما آلم به غيره من حيوان أو شخص آخر من جنسه أو إباية عما تدعوه إليه أمه أو أبوه أو سائل يسأله أمرا ما فأبى عليه فتألم السائل حيث لم يقض حاجته هذا الصغير فإذا تألم الصغير كان ذلك الألم القائم به جزاء مكفرا لما آلم به ذلك السائل بإبايته عما التمسه منه في سؤاله أو كان قد أذي حيوانا من ضرب كلب بحجر أو قتل برغوث وقملة أو وطء نملة برجله فقتلها أو كل ما جرى منه بقصد وبغير قصد وسر هذا الأمر عجيب سار في الموجودات حتى الإنسان يتألم بوجود الغيم ويضيق صدره به فإنه كفارة لأمور أتاها قد نسيها أو يعلمها فهذا كله يراه أهل الكشف محققا في قوله ملك يوم الدين فيقول الله فوض إلى عبدي أو مجدني عبدي أو كلاهما إلا أن التمجيد راجع إلى جناب الحق من حيث ما تقتضيه ذاته ومن حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه والتفويض من حيث ما تقتضي نسبة العالم إليه لا غير فإنه وكيل لهم بالوكالة المفوضة ففي حق قوم يقول مجدني عبدي وفي المقصد وفي حق قوم يقول فوض إلى عبدي وفي المقصد أيضا فإن العبد قد يجمع بين المقصدين فيجمع الله له في الرد بين التمجيد والتفويض فهذا النصف كله مخلص لجناب الله ليس للعبد فيه اشتراك ثم قال الله يقول العبد إياك نعبد وإياك نستعين يقول الله هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فهذه الآية تتضمن سائلا ومسئولا مخاطبا وهو الكاف من إياك فيهما ونعبد ونستعين هما للعبد فإنه العابد والمستعين فإذا قال العبد إياك وحد الحق بحرف الخطاب فجعله مواجها لا على جهة التحديد ولكن امتثالا لقول الشارع لمثل ذلك السائل في معرض التعليم حين سأله عن الإحسان فقال له صلى الله عليه وسلم أن تعبد الله كأنك تراه فلا بد أن تواجهه بحرف الخطاب وهو الكاف أو حرف التاء المنصوبة في المذكر المخفوضة في المؤنث فإني قد أنث الخطاب من حيث الذات وهذا مشهد خيالي فهو برزخي وجاءت هذه الآية برزخية وقع فيها الاشتراك بين الحق وبين عبده وما مضى من الفاتحة مخلص لله
424
نام کتاب : الفتوحات المكية نویسنده : إبن عربي جلد : 1 صفحه : 424