والزّهد والفضائل الَّتي ليست بغناء فأمّا الغناء فمحظور وفي رواية عبد الله بن سنان وإيّاكم ولحون أهل الفسوق وأهل الكبائر وسيجئ من بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة والنّوح ولا يجاوز حناجرهم مقلوبة قلوبهم وقلوب الَّذين يعجبهم شأنهم وفي بعض الرّوايات في ذكر أشراط السّاعة ويتغنّون بالقرآن ( لعلّ نظره في ذلك إلى ما رواه القمي في تفسيره عن ابن عبّاس قال حججنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال ألا أخبركم بأشراط السّاعة فكان أدنى النّاس منه يومئذ سلمان فقال بلى يا رسول الله فقال إنّ من أشراط القيامة إضاعة الصّلاة إلى أن قال فعندها يكون أقوام يتعلَّمون القرآن لغير الله ويتّخذونه مزامير ويكون أقوام يتفقّهون لغير الله ويكثر أولاد الزّنا ويتغنّون بالقرآن والرّواية طويلة مشتملة على علامات كثيرة ذكرها في الصّافي في ذيل قوله تعالى شأنه في سورة محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم * ( فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها ) * وارتكاب التّأويل في هذه الأخبار ما عدا الأخيرين بحيث يجتمع مع القول بتحريم الغناء في القرآن يحتاج إلى تكلَّف بيّن والشّيخ أبو جعفر الطَّبرسي قال في كتاب مجمع البيان الفنّ السّابع في ذكر ما يستحبّ للقاري من تحسين اللَّفظ وتزيين الصّوت بقراءة القرآن ونقل روايات من طريق العامّة ( وهي أحدها رواية البراء بن عازب قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله زيّنوا القرآن بأصواتكم وثانيها رواية حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ص اقرؤا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإيّاكم ولحون أهل الفسوق وأهل الكتابين وسيجئ قوم من بعدي يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرّهبانيّة لا يجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الَّذين يعجبهم شأنهم وهذه الرّواية موافقة لما يأتي ممّا رواه ابن سنان إلَّا في بعض الألفاظ كما نشير إليه فيما بعد وثالثها رواية علقمة بن قيس قال كنت حسن الصّوت بالقرآن وكان عبد الله بن مسعود يرسل إليّ فأقرأ عليه فإذا فرغت قال زدنا من هذا فداك أبي وأمّي فإنّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله يقول إنّ حسن الصّوت زينة للقرآن رابعها رواية أنس بن مالك عن النّبي صلَّى الله عليه وآله إنّ لكلّ شيء حلية وحلية القرآن الصّوت الحسن وخامسها رواية عبد الرّحمن المذكورة في المتن ) حتّى نقل رواية عبد الرّحمن بن ( السّائب كذا في المجمع ) الثّابت قال قدّم علينا سعد بن أبي وقّاص فأتيته مسلَّما عليه فقال مرحبا بابن أخي بلغني أنّك حسن الصّوت بالقرآن قلت نعم والحمد للَّه قال إنّي سمعت رسول الله ص يقول إنّ القران نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنّوا به فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا وتأوّل بعضهم تغنّوا به بمعنى واستغنوا به وأكثر العلماء على أنّه تزيين الصّوت وتحزينه انتهى وهذا يدلّ على أنّ تحسين الصّوت بالقرآن والتّغنّي به مستحبّ عنده وأنّ خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء فيه منع واضح لأنّه إنّما يدلّ عليه لو كان بين تحسين الصّوت وتحزينه وبين التّغنّي ملازمة وهي ممنوعة فغاية ما يدلّ عليه ما نسبه إلى أكثر العلماء في معنى التّغنّي مع عدم التّعرّض له الظَّاهر في ارتضائه له هو استحباب تحسين الصّوت وتحزينه بالقرآن للخبر المذكور المحمول على الاستحباب للقطع بعدم وجوب التّحسين والتّحزين وكلام السّيّد المرتضى قدّس سرّه في الغرر والدّرر لا يخلو عن إشعار واضح بذلك قال السّيّد عبد الكريم الجزائري في رسالة صنّفها في المسألة موسومة بكشف الغطاء عن حال الغناء في ضمن الإشكالات على عبارة الكفاية إنّ الظَّاهر في اسم الكتاب تنكير الغرر وإضافته إلى الدّرر وقد رأيته كذلك بخطَّ بعض الفحول وهذه من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف وهذا أنسب بحسب المعنى وكيف كان لا إشعار في كلام السّيّد باستحباب التّغنّي بالقرآن بالمعنى المعروف للغناء بل الظَّاهر منه عدم ارتضائه له منه من جهة إعراضه عن التّعرّض به في مقام استحسان ما ذكر في معنى التّغنّي بالقرآن من الوجوه حيث إنّه قدّس سرّه ذكر فيه وجوها أربعة أحدها ما نقله عن أبي عبيدة وهو كون التّغنّي بمعنى الاستغناء والثّاني ما نقله عن غيره وهو كونه بمعنى تحسين الصّوت وترجيعه والثّالث ما نقله عن ابن الأنباري وهو كونه بمعنى التّلذّذ والاستعذاب والاستحلاء يعني من لم يتلذّذ بالقرآن كما يتلذذ المغنّي بالغناء فليس منّا والرّابع ما خطر بباله من أنّ التّغنّي من غني الرّجل بالمكان إذا طال مقامه به في قوله تعالى * ( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ) * أي لم تقم وقال قبل ذكر المعنى الرّابع وجواب أبي عبيدة أحسن الأجوبة وجواب أبي بكر أبعدها ولم يتعرّض لاستحسان الثّاني وهو ظاهر في الإعراض عنه بل كلامه في آخر العبارة نصّ في بطلانه حيث قال لأنّه محال أن يخرج عن دين النّبي ص وملَّته من لم يحسن صوته بالقرآن وترجّع فيه أو لم يتلذّذ بقراءته انتهى أقول قد أخذ قدّس سرّه هذا الَّذي ذكره في وجه بطلان الثّاني من كلام أبي عبيدة في مقام بيان ما اختاره في معنى التّغنّي حيث قال في ذيل كلامه على ما حكاه السّيّد عنه ولو كان معناه التّرجيع لطمت المحنة علينا بذلك إذا كان من لم يرجّع بالقرآن ليس منه عليه السّلام قلت لا يخفى عليك أنّ جميع هذه الوجوه مخالفة لظاهر لفظ التّغنّي إلَّا الثّاني الَّذي نسبه الطَّبرسي في كلامه المنقول في المتن إلى أكثر العلماء فلا بدّ من الحمل عليه إلَّا إذا كان هناك قرينة على عدم إرادته وليس إلَّا الحكم على تاركه بأنّه ليس منّا وهو لا ينافي إرادة المعنى الظَّاهر من التّغنّي إلَّا إذا كان معناه أنّه من ديننا وعلى ملَّتنا وهو ممنوع بل معناه أنّه ليس مشاركا معنا في عملنا وهو التّغنّي بالقرآن بمعنى تحسين الصّوت به وترجيعه على نحو يوجب الحزن والخفّة النّاشي عن الحزن قبال كونه على نحو يوجب السّرور والخفّة النّاشي منه كما يقتضيه عطف تغنّوا على تباكوا فإنّا نعمله في القرآن وهو لا يعمله ثمّ لا يخفى أنّ ما استظهره في اسم الكتاب اشتباه نشأ من الغفلة عن اسم الكتاب غرر الفوائد ودرر القلائد وإنّما حذف المضاف إليه في الموضعين وعوّض عنه باللَّام للاختصار فقيل الغرر والدّرر وفي الكافي في باب ترتيل القرآن بالصّوت الحسن أورد أكثر الأخبار المذكورة وأنت تعلم طريقة القدماء وحينئذ نقول يمكن الجمع بين هذه الأخبار والأخبار الكثيرة