والسرّ في ذلك : أنّ كلّ فرد من أفراد الطبيعة هو تلك الطبيعة بتمامها ، فزيد تمام الإنسان ، وكذا عمرو وبكر وغيرهما ، فبوجوده يوجد وبعدمه ينعدم ، ولا ينافي عدمها بانعدام زيد وجودها بوجود عمرو ، فإنّها متكثّرة حسب تكثّر الأفراد والوجودات ، فلا يلزم اجتماع النقيضين ، كما أنّ الإنسان أبيض لبياض بعض أفراده وأسود لسواد البعض الآخر ؛ من دون استلزام ذلك لاجتماع الضدّين أصلًا ، كما هو ظاهر . وبالجملة : فمعنى قولهم : " إنّ الطبيعة المهملة توجد بوجود فردٍ ما " أنّ كلّ فرد من أفرادها تمام الطبيعة ، وإلَّا فلو كانت متحصّصة بحصص كثيرة حسب كثرة الأفراد والوجودات ، يلزم أن يكون وجودها وجود جميع تلك الحصص ، وحينئذٍ فمع كون الطبيعة متحقّقة بوجود بعض أفرادها - كما هو المسلَّم بينهم كيف يمكن القول بأنّ انعدامها يتوقّف على انعدام الجميع ، فإنّ زيداً - مثلًا لو كان تمام حقيقة الإنسان بحيث توجد بوجوده ، فكيف يمكن أن لا يكون عدمه موجباً لانعدام الإنسان ، فتأمّل في المقام فإنّه من مزالّ الأقدام ، كما يظهر بمراجعة كلمات الأعلام ، وليرجع إلى محلَّه لتفصيل الكلام [1] . وبالجملة : فالعقل وإن كان لا يرى فرقاً بين الأمر والنهي أصلًا ، إلَّا أنّ العرف يحكم بتحقّق الفرق بينهما ، وأنّه يكفي في تحقّق امتثال الأمر المتعلَّق بالطبيعة إيجاد فرد منها ، بخلاف النهي ، فإنّه لا يصدق الامتثال فيه إلَّا بعد ترك جميع الأفراد ، وحينئذٍ فكما يستفيد العرف من دليل تحريم الخمر : أنّ مطلوب المولى عدم تحقّق شربه في الخارج أصلًا ، فلو اضطرّ إلى شربه لا يسقط بذلك التحريم مطلقاً ؛ حتّى يجوز له شربه زائداً على المقدار المضطرّ إليه ، كذلك