سماويان أو أرضيّان ، ولا لأنّ ذلك ينافي العصمة ، إذْ حدوث المرض الغير الغالب على العقل لا ينافيها ، بل لمنافاة اللّطف الواجب ; لأنّ المكلّفين إذا رأوا سلطان الساحر على النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتصرّفه فيه اختلّت عقائدهم ، ولم يبق لهم اطمئنان ولا وثوق ولا اعتماد ، لظهور نقصه حينئذ ، ولتجويزهم إذَنْ تسلّط الساحر على عقله ( صلى الله عليه وآله ) ، فيصحّ قولهم ( إنْ تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً ) [1] . ثم العقل حاكم بأنّه لو كان له حقيقة ، لم يمكّن الله تعالى الساحر منه في جميع ما أراد ، وإلاّ لزم الفساد ، واضمحلّ أكثر العباد ، ولم يحتج الملوك والأُمراء إلى وضع الجهاد ، واكتفى الأشقياء بجذب النساء والأولاد إلى اللّواط والفجور ، واغتنوا بذلك عن الخطبة وبذل المهور ، وصدر من السحّار ما يصدر من القادر المختار ، فلا حادث من نفع أو ضرر إلاّ بقضاء وقدر ، فلا يقدر الساحر على أنْ يسحر حيث يدّعي أنّه مبعوث إلى البشر ، ولا حاجة إلى معرفة الإعجاز بالاستمرار ، أو بإلزام المدعي بالبدار ، والخلوّ عن المقدّمات ، إلى غير ذلك من الجهات .
[1] الإسراء / 47 ، والفرقان / 8 . وقد استدلّ بها الشيخ الطوسي ، في : التبيان : 10 / 434 ، في تفسير سورة الفلق ، والطبرسي ، في : مجمع البيان : 5 / 568 ، في تفسير السورة المذكورة . وحكى الفخر الرازي عن المعتزلة استدلالهم بها ، ذكر ذلك في تفسير الآية ( 102 ) من سورة البقرة ، من تفسيره المسمّى ب : مفاتيح الغيب : 1 / 626 . كما استدلّ بها العلاّمة المجلسي ، في : بحار الأنوار : 18 / 71 ، والمحدّث البحراني ، في : الحدائق الناضرة : 18 / 179 . ولكن الشارح غيّر وجه الاستدلال بها ليسلم عمّا يرد من الإشكال على استدلالهم ، فلا يرد عليه ما أورده عليهم الطباطبائي ، في : الميزان في تفسير القرآن : 20 / 394 ، في تفسير سورة الفلق ، فراجع .