وإن شئت قلت : يرجع إلى الحاكم الشرعي بما هو حاكم في أمرين : أحدهما : إحقاق الحقوق فيما اختلف فيه الناس . ثانيهما : إجراء الحدود في ما ارتكبوه ممّا يوجب الحدّ أو التعزير ، ولا يجوز ذلك لغير الحاكم الشرعي . وأمّا إيصال المال إلى صاحبه فهو وظيفة كلّ أحد - إذا كان في يده - فلذا إذا كان رجلٌ وصيّاً عن رجل آخر وادّعى أحدٌ بأنّ له في ذمّة الميّت كذا وكذا درهماً ، أو أنّ له أمانةً عنده صفاتها كذا وكذا فإن علم الوصيّ بصدقه وجب ردّه إليه ، كما أنّه لو أقام بيّنةً وجب ردّه ولا ربط لهذا بباب القضاء بل هو من باب ردّ المال إلى صاحبه . فالعلم حجّة في مثله لأنّه طريق إلى الواقع هنا ، طريقاً محضاً ، ويقوم مقامه البيّنة كما في جميع الموضوعات . ولكنّ الأمر في باب القضاء ليس كذلك ، لأنّه يمكن أن يكون اللازم فيه إحراز الحقّ من طرق خاصّة ، وهي الأيمان والبيّنات فقط لا من طرق أخرى . وحديث « فدك » من القسم الأوّل لا الثاني ، لأنّ فدكاً كانت في يد أبي بكر وعند ذاك ، فكان الواجب عليه بما أنّ مال الغير في يده ردّه إليه ، لا الحكم فيه بما هو قاضٍ ، وإلَّا فلا يمكن أن يكون المدّعي قاضياً ، فتدبّر جيّداً . 4 - لو لم يعمل القاضي بعلمه استلزم إمّا إيقاف الحكم أو فسق الحاكم واللازم بقسميه باطلٌ . ويمكن الجواب عنه بأنّ إيقاف الحكم وإرجاعه إلى غيره ممّن لا علم له بالواقعة ممّا لا مانع له ، بل هو مقتضى العمل بعدم تضييع الحقوق مع عدم القضاء بغير طرقه الثابتة في الشرع فليس الإيقاف بلا سبب . 5 - استلزامه أحد الأمرين : إمّا عدم وجوب إنكار المنكر وإظهار الحقّ ، أو الحكم بعلمه ، وبطلان الأوّل ظاهرٌ فيتعيّن الثاني .