في أواخر ديباجة كتابه المذكور ومع هؤلاء جماعة يحضرني ذكرهم عند شعرهم ويعز علي إذ لم أرهم على تكاثرهم لفوات عصرهم وتلطف بقوله بعد ذلك ولا تقل أيها الواقف على هذا التأليف لقد أفرطت في التعصب لأهل مصر والشام على من دونهم من الأنام وهذا باطل ودعوى عدوان وحمية لأوطانك ومن جاروها من البلدان فالجواب أن الكلام في التورية لا غير ومن هنا تنقطع المادة في السير ومن ادعى أنه يأتي بدليل وبرهان فالمقياس بيننا والشقراء والميدان انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي قلت قد تقدم وتقرر أن التورية عند علماء هذا الفن بمنزلة الإنسان من العين وسموها في البلاغة سمو الذهب على العين وقد ثبت أن خواطر المتقدمين كانت بها شحيحة وأفكارهم لا تقصد مظانها وإن كانت سليمة صحيحة لكنها ربما وقعت لهم عفوا من غير مرام فنقول إنها رمية من غير رام وقد علم أن المتأخرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها والمتفكهين في أدواح الأدب بثمراتها فإذا جليت عرائس أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يمل المتأمل اللهم إلا أن يكون سيف ذهنه كليلا فيقول إنه من هذا الفن متنصل فإن هذه العرائس لم تبرز لمتأمل إلا من خدور هذا الكتاب وإذا طلبها من غيره توارت عنه بالحجاب فإذا سرح المتأمل طرفه وأمسى في كل واد من محاسنها يهيم وتنوعت حلاوات أنواعها لذوقه السليم جردت سيف العزم وأقمت لكل نوع حدا ونظمت له من أنواع التورية وأقسامها في سلك هذا النوع عقدا فإن الشيخ صفي الدين الحلي لم يذكر في شرح بديعيته نوعا من أنواع التورية ولا قسما من أقسامها بل ذكر حد التورية الذي أجمع الناس عليه وقال هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب وبعيد فيذكر لفظا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد قلت ومن أين يعرف الطالب من هذا الحد التورية المجردة والتورية المرشحة وقسميها والمبنية وقسميها والمهيأة وأقسامها وكذلك العلامة زكي الدين ابن أبي الأصبع لم يذكر في كتابه المسمى بتحرير التحبير نوعا من أنواعها ولا قسما من أقسامها مع أن كتابه ما وضع في هذا الفن له نظير بل قال التورية وتسمى التوجيه وهي أن يكون الكلام يحتمل معنيين فيستعمل المتكلم أحد احتماليه ويهمل الآخر ومراده ما أهمله لا ما استعمله وأما صاحب التلخيص فإنه قال مشيرا إلى البديع ومنه التورية وتسمى الإيهام أيضا وهي أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد وهي ضربان مجردة ومرشحة ولم يزد على هذا القدر شيئا وإذا أردت ما وعدت بإيراده من طلاوة المتأخرين في التورية شرعت في الكلام على أنواعها وأقسامها ليسير ركب الأدب في طرقها المتشعبة بدليل ويصير لديباجة هذا النوع تفصيل وقد قدمت ذكر الفاضل ومن فضل بعده في باب الاستخدام ولكن لم يمكن اختصارهم في باب التورية فإنهم فرسان حلباتها وأجل من سكن غريب نظمه بأبياتها وكل ما أوردته لهم ولغيرهم من التورية في غير بابه تعين نظم شمله هنا ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه فمن مخترعات القاضي الفاضل في التورية قوله من مديح قصيدة طائية وهي نكتة لم تختل في صدر غيره وهو أما الثريا فنعل تحت أخمصه * وكل قافية قالت لذلك طا ومثله قوله في خده فخ لعطفة صدغه * والخال حبته وقلبي الطائر