ريحها بأمره رخاء حيث أصاب وقال الزمخشري وهو حجة في هذا العلم ولا نرى بابا في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله وكلام نبيه وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين فمن ذلك قوله تعالى الرحمن على العرش استوى لأن الاستواء على معنيين أحدهما الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود لأن الحق تعالى وتقدس منزه عن ذلك والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي وري عنه بالقريب المذكور ومنه قول النبي حين سئل في مجيئه عند خروجه إلى بدر فقيل لهم ممن أنتم فلم يرد أن يعلم السائل فقال من ماء أراد أنا مخلوقون من ماء فوري عنه بقبيلة يقال لها ماء ومنه ما روي عن النبي أنه قال لا يزال المنام طائرا حتى يقص فإذا قص وقع ففي الكلام توريتان لفظة طائر ولفظة يقص ويحتمل أيضا أن يكون في لفظة وقع تورية ثالثة ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة وقد سئل عن النبي من هذا فقال هاد يهديني أراد أبو بكر رضي الله عنه هاديا يهديني إلى الإسلام فوري عنه بهادي الطريق وهو الدليل في السفر وكانت خواطر المتقدمين عن نظم التورية بمعزل وأفكارهم مع صحتها ما خيمت عليها بمنزل لكنها ربما وقعت لهم عفوا من غير قصد لأنهم على كل حال ولاة هذا الشان وأدلة هذا الركب وقيل إن أول من كشف غطاءها وجلا ظلمة إشكالها أبو الطيب المتنبي بقوله برغم شبيب فارق السيف كفه * وكانا على العلات مصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه * رفيقك قيسي وأنت يماني يريد أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان لأن شبيبا كان قيسيا والسيف يقال له يماني فوري به عن الرجل المنسوب إلى يمن ومعلوم ما بين قيس ويمن من التنافر قلت وكأن من قال إن أبا الطيب أول من كشف غطاء التورية ما لمح قول عمرو بن كلثوم في معلقته عن الخمرة مشعشعة كان الحص فيها * إذا ما الماء خالطها سخينا الشاهد هنا في سخينا فإن العرب كانوا يسخنون الماء في الشتاء لشدة برده ثم يمزجونها به فسخينا على هذا التقدير نعت لموصوف محذوف والمعنى فأضحى شرابا سخينا وهذا هو المعنى القريب الموري به ويحتمل السخاء الذي هو عبارة عن الكرم وهذا هو المعنى البعيد الموري عنه ومراد الناظم ومما يؤيد قولي أنه المراد قول الجوهري في الصحاح قول من قال سخينا من السخونة نصب على الحال ليس بشيء فإن المراد لما خالطها الماء ومزجت به طبنا وسخينا بأموالنا كقول عنترة وإذا سكرت فإنني مستهلك * مالي وعرضي وافر لم يكلم والحص هو الزعفران على أحد الأقوال وهو الذي شبه صفرتها به فإن قيل سخا مضارعه يسخو ويسخو من ذوات الواو فلا يجوز أن يكون سخينا فعلا على هذا التقدير فالإجماع عند أهل اللغة أنه يقال سخا يسخا وسخا يسخو وهذا مذهب الجوهري في الصحاح وعلى هذا التقدير فاشتراك التورية في سخينا صحيح ممكن من الوجهين انتهى وكشف أيضا عن قناع التورية في شعره النابغة الذيباني بقوله خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أراد بالصيام ههنا القيام وورى بقوله تعلك اللجما عن الصيام وأورد السكاكي في المفتاح للعرب من هذا الباب حملناهم طرا على الدهم بعدما * خلعنا عليهم بالطعان ملابسا أراد بالحمل على الدهم تقييدهم وأوهم بالركوب على دهم الخيل قلت وقبل المتنبي أيضا بزمن طويل قال أبو نواس فتنت قلبي محببة * وجهها بالحسن منتقب