روي أنه لم يفلح بعد هذا القول وكان لا ينطق إلا بقوله تعالى ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ولولا الإطالة وهو نظم غير مقبول لأوردت كثيرا من نظم الذين كانوا يتساهلون في هذا النوع كأبي نواس وابن هانئ الأندلسي والمتنبي وأبي العلاء المعري وغيرهم من المتأخرين كابن نبيه ومن جرى مجراه وكنت من المبادئ أستقبح قول الشيخ صفي الدين الحلي وأستقل أدبه بقوله في موشحه الذي أوله دارت على الدوح سلاف القطر وذلك قوله في ممدوحه لو قابل الأعمى غدا بصيرا * ولو رأى ميتا غدا منشورا ولو يشا كان الظلام نورا * ولو أتاه الليل مستجيرا آمنه من سطوات الفجر وبيته في بديعيته على هذا النوع أعني الغلو قوله عزيز جار لو الليل استجار به * من الصباح لعاش الناس في الظلم قلت هذا الغلو هنا مقبول في مديح النبي غير لائق بممدوحه الذي أشار إليه في موشحه بقوله ولو أتاه الليل مستجيرا * آمنه من سطوات الفجر فقد تقرر أن الناظم إذا قصد الغلو في مديح النبي فلا غلو وبيت العميان في بديعيتهم يقولون فيه عن النبي تكاد تشهد أن الله أرسله * إلى الورى نطف الأبناء في الرحم فنسبة الشهادة إلى النطف وهي في الأرحام لا تمكن عقلا وما استحال عقلا استحال عادة وهذا الغلو هنا مقبول في مديح النبي وقد زاد الناظم تقريبه بكاد ولكن ذكر الأرحام والنطف في المدائح النبوية ما يخلو من قلة أدب وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته يقول فيه عن النبي في مدحه نفحات لا غلو بها * يكاد يحيي شذاها بالي الرمم نفحات هذا البيت عطرت الوجود بالمديح النبوي وغلوها فيه ملحوظ بعين القبول وتقريبها بكاد أحرز قصبات السبق ولا أقول كاد وهذا البيت عندي مقدم على بيت الشيخ صفي الدين وبيت العميان لالتزامه بتسمية النوع البديعي مورى به من جنس المديح مع انسجامه ورقته وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي بلا غلو إلى السبع الطباق سرى * وعاد والليل لم يجفل بصبحهم هذا الغلو يرخص عنده بانتظامه في سلك المدائح النبوية كل غلو فإنه لو كان في غير النبي استحال عقلا وعادة ونعوذ بالله من نسبته إلى غيره فإنها تؤدي إلى الكفر المحض وحصره في النبي متفق عليه عقلا ونقلا وقولي عند نظم هذا النوع بلا غلو ويعلم طالب هذا العلم طريق سلوك الأدب وهذا البيت من خلاصات المدائح النبوية فنرجو الله أن تشملنا بركة ممدوحه والله أعلم ( ذكر ائتلاف المعنى مع المعنى ) سهل شديد له بالمعنيين بدا * تألف في العطا والدين للعظم هذا النوع وهو ائتلاف المعنى مع المعنى ضربان فالأول في الاصطلاح هو أن يشتمل الكلام على معنى معه أمران أحدهما ملائم والآخر بخلافه فيقرنه بالملائم واستشهدوا عليه بقول أبي الطيب المتنبي فالعرب منه مع الكدري طائرة * والروم طائرة منه مع الحجل وقالوا إن تقوية المعنى الأول مناسبة القطا الكدري مع العرب لأنه يلائمهم بنزوله في السهل من الأرض وينفر من العمران ويستأنس بالمهمه ولا يقرب العمران إلا إذا زاد به العطش وقل الماء