ولا يليق ذكرها هنا . والحق أن كل ما قيل فيها لا يخلو عن قصور ونقصان ، والأولى فيها السكوت والتأدب بآداب الشرع [39] . ومنها : الخواطر النفسانية والوساوس الشيطانية إعلم أن الخاطر ما يعرض في القلب من الأفكار فإن كان مذموما داعيا إلى الشر سمي ( وسوسة ) ، وإن كان محمودا داعيا إلى الخير سمي ( إلهاما ) . وتوضيح ذلك : إن مثل القلب بالنسبة إلى ما يرد عليه من الخواطر مثل هدف تتوارد عليه السهام من الجوانب ، أو حوض تنصب إليه مياه مختلفة من الجداول ، أو قبة ذات أبواب يدخل منها أشخاص متخالفة ، أو مرآة منصوبة تجتاز إليها صور متباينة . فكما أن هذه الأمور لا تنفك عن تلك السوانح ، فكذا القلب لا ينفك عن واردات الخواطر . فلا تزال هذه اللطيفة الإلهية مضمار لتطاردها ومعركة لجولانها وتزاحمها ، إلى أن يقطع ربطها عن البدن ولذاته ، ويتخلص عن لدغ عقارب الطبع وحياته . ثم لما كان الخاطر أمرا حادثا فلا بد له من سبب ، فإن كان سببه شيطانا فهو الوسوسة ، وإن كان ملكا فهو الإلهام . وما يستعد به القلب لقبول الوسوسة يسمى إغواء وخذلانا ، وما يتهيأ به لقبول الإلهام يسمى لطفا وتوفيقا . وإلى ذلك أشار سيد الرسل ( ص ) بقوله : " في القلب لمتان [40] : لمة من الملك
[39] هذا اعتراف بالعجز وهروب من حل هذه المعضلة التأريخية في سر الخلق ، والحل الذي لم يسبق إليه البشر حتى عند فلاسفتهم الأقدمين والمتأخرين ما قاله إمامنا الصادق ( ع ) : " لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين " . فإن الفاعل الذي منه الوجود هو الله تعالى وحده لا شريك له في خلقه ، والفاعل الذي به الوجود هو العبد المختار في فعله . [40] روى الحديث في إحياء العلوم ج 2 ص 23 هكذا : " في القلب لمتان : لمة من المالك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله . سبحانه وليحمد الله . ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ، فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم " ، ثم تلا قوله تعالى : " الشيطان يعدكم الفقر . . . " الآية . تلا قوله تعالى : " الشيطان يعدكم الفقر . . . " الآية . وهذا الحديث لم نعثر عليه من طرقنا ، وكذا الحديث الآتي : في نهاية ابن الأثير " في حديث ابن مسعود : لابن آدم لمتان : لمة من الملك ولمة من الشيطان . اللمة الهمة والخطرة تقع في القلب ، أراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه " .