ولم يذكر القرآن فيمَ كان بغيه بل جعله مجهولاً ليشمل شتى الصور والاحتمالات فربما كان بغيه عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشيائهم كما يصنع طغاة الأموال في كثير من الأحيان ، وربما كان بغيه بحرمانهم حقوق فقرائهم في ذلك المال كي لا يكون دولة بين الأغنياء وحدهم ، وربما كان بغيه بالتطاول والاستعلاء عليهم والإفساد في الأرض ، أو هذا كله وغيره . وعلى أية حال فقد حصل من قومه من حاول ردعه عن هذا البغي وإرجاعه إلى النهج القويم الذي يرضاه الله في التصرف بهذا الثراء لذا قال تعالى : ( إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( والمراد من هذا الفرح الذي لا يحب الله أهله هو البطر والغرور المفرط بمتاع الدنيا الفانية مما يسبب نسيان الآخرة ويعقبه البطر والأشر ، لذلك قال بعدها : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأْرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( أي اطلب فيما أعطاك الله من مال الدنيا تعمير الآخرة بإنفاق ما فيه من الحقوق في سبيل الله وطلب رضاه ، ولا تنس ان نصيبك من الدنيا شئ قليل مما أوتيت وهو ما تأكله وتشربه وتلبسه وتسكنه فقط والباقي فضل زائد تتركه لغيرك ، فخذ من دنياك ما يكفيك ، وانفق منه لغيرك إحساناً كما آتاكه الله إحساناً من غير أن تستحقه وتستوجبه ، ولا تطلب الفساد في الأرض بالاستعانة بما آتاك الله من مال وما اكتسبت من جاه فإن الله لا يحب المفسدين في الأرض وقد بناها على الصلاح والإصلاح .