المعنى اللَّازمي كما جوّزه التفتازاني فما المائز بينه وبين المجازات في كيفية الاستعمال وإن فرق بينهما بوجود القرينة المعاندة وعدمها فمع أنّه فرق لفظي لا معنويّ لا يتم لأنّ الكناية المقصود بها المعنى اللَّازمي خاصّة لا بدّ أن تكون مقرونة بالقرينة المعاندة لئلَّا ينتقض الغرض والثالث أن الكناية على أيّ قسم كان خلاف ما يقتضيه أصل وضع الكلام وكلّ مخالف للأصل لا بدّ أن يكون مقرونا بالقرينة والقرينة لا تكون إلا معاندة لما يقتضيه الأصل لأنّ الكلام إذا لم يكن معه ما يعاند وضعه الأصلي فلا يصرف عنه إلى غيره فما معنى قولهم في الفرق بين الكناية والمجاز بأن الثاني ملزوم للقرينة المعاندة دون الأول وأيضا تعريف الحقيقة والمجاز مطلقا حتّى في العلوم الأدبية في طرفي النّفي والإثبات أعني الاستعمال في الموضوع له وعدم الاستعمال فكيف يقال بكونها قسما ثالثا ولا بدّ في كشف الغطاء عن حقيقيّة المقام من تمهيد مقدّمة موضحة للمرام فنقول إن في مقام التكلَّم والتحاور أمورا ثلاثة ذكر اللَّفظ وإضمار المعنى والغرض الدّاعي ثمّ الغرض الدّاعي قد يكون هي الإفادة وقد يكون غيرها كالإغراء بالجهل ومحافظة النفس أو العرض كما في بعض أقسام التّورية والتقية والإكراه وغيرها من الوجوه الخارجة عن وجوه الإفادة وغرض الإفادة أيضا على أقسام ثلاثة لأن المقصود من الكلام قد يكون إفادة معناه وقد يكون إفادة لازم المعنى وقد يكون إفادة لوازم الحكم والإخبار ويحصل من الملفق من الوجوه الثلاثة احتمالات زائدة والكلام هنا ليس فيها إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ استعمال اللَّفظ في المعنى عبارة عن الأمرين الأوّلين أعني ذكر اللَّفظ وإرادة المعنى وإضماره في النفس وأمّا غرض الإفادة فالظَّاهر عدم اعتباره في حقيقة الاستعمال المذكور في تعريف الحقيقة والمجاز لبداهة أن المورّي والمتقي والمكره مثلا قد يقصدون من الألفاظ معانيها فلا يصحّ سلب الكلمة المستعملة عمّا يجري في ألسنتهم تورية أو تقية أو إكراها فإن قلت إن المورّي لا ضرورة داعية له إلى إضمار المعنى لأنّ الإغراء بالجهل الَّذي هو المقصود باستعمال اللَّفظ المجرّد عن القرينة مثلا يحصل سواء أضمر المعنى عند استعمال الكلمة أو لم يضمر وكذا المتقي والمكره فإذا لم يكن هناك إرادة المعنى وإضماره في النفس لم يتحقق حقيقة الاستعمال لوضوح اعتباره في صدق الاستعمال ولذا لا يصدق على كلام النائم والهازل والعابث واللَّاعب وأمثالهم أنّها كلمة مستعملة قلت أوّلا إنّه منقوض بما إذا كان الغرض من الكلام إفادة اللَّازم فإنّ إرادة المعنى حينئذ وإضماره في النّفس لغو صرف أيضا لا مساس له بغرضه الَّذي هو الانتقال إلى اللَّازم لكونه قهريّا حاصلا من ملاحظة السّامع وضع اللَّفظ أو ملاحظة القرينة وستعرف جلّ ذلك وثانيا أنا نتكلَّم على تقدير إرادة المورّين معنى من اللَّفظ وإضماره في نفسه كما هو المحسوس بالوجدان في حال التورية وكذا حال التقية ونحوها وندّعي صدق الاستعمال حينئذ مع عدم كون غرضه شيئا من الإفادات بالنّسبة إلى المعنى المنوي بل محض الإغراء بالجهل فظهر أن صدق استعمال اللَّفظ في المعنى لا يتوقف على كون المقصود من الكلام أصل الإفادة فضلا عن إفادة ذلك المعنى نعم الظاهر اعتبار أصل الغرض في الجملة في صدق الاستعمال لعدم صدقه على مثل ما يصدر من العابث والهازل فضلا عن النائم وأمّا الإشكال المشار إليه فينحسم بعد النّقض بما إذا قصد من الكلام إفادة المعنى لا إفادة لازمه أو لازم الحكم لعدم ضرورة داعية له إلى قصد المعنى من اللَّفظ أي إضماره عند التلفظ بل لو ذكر اللَّفظ الموضوع فبمجرّده يحصل إفادة المعنى ولو لم يقصدها أوّلا بأنه شبهة في قبال البديهي لأنا نشاهد بالعيان أنّ المعاني كثيرا ما تكون مضمرة في النّفس في الصّورة المشار إليها واستوضح الحال بالمراجعة إلى وجدانك في تلك الحالات فإنّك إذا أردت التكلَّم على وجه التورية نويت من اللَّفظ معنى يخالف ظاهره أو التكلَّم على وجه التّقية أردت من اللَّفظ معناه ويدل عليه مضافا إلى البداهة ما اتفق عليه الكلّ من جواز الكذب للضّرورة مع أنّ المضطرّ إلى الكذب لا ضرورة له إلى قصد المعنى فإنّ ضرورة الكذب تندفع بمجرّد إصدار اللَّفظ الظَّاهر في معناه الموضوع له مثلا سواء قصد المعنى معه أم لا ومثله المتفق عليه من عدم صحّة طلاق المكره وبيعه ونحوهما من العقود والإنشاءات مع أن أثر الإكراه إنّما يتوجه إلى اللَّفظ فالغرض الداعي إلى إجراء صيغة الطَّلاق عند الإكراه إنما يحصل بمجرّد ذكر اللَّفظ لأن قصد المعنى أمر قلبي لا يعقل الإكراه عليه فلا يتصوّر للطَّلاق المكره عليه حينئذ مصداق خارجيّ وثانيا أن المورّي والمتقي والمكره والملجأ إلى الكذب قد لا يكون ملتفتا إلى تجريد اللَّفظ عن المعنى فينوي المعنى حينئذ باعتبار جريان العادة على إرادة المعاني من الألفاظ المستعملة لأنّ قصد المعنى من اللَّفظ أمر عادّي للإنسان فالباعث على قصد المعنى والداعي إليه في تلك الأحوال وما شابهها هي العادة الجارية في العرف وهذا مثل تقييد المطلقات بالقيود المتعارفة الغالبة الشّائعة مع عدم قصد الاحتراز منها فكما أن ذكر بعض الألفاظ ليس إلا لمجرّد قضاء العادة والتعارف كذلك قصد المعنى في بعض الأحيان إنّما هو باعتبار جريان العادة فالباعث له حينئذ ليس غرض الإفادة فظهر ممّا ذكر أن قصد المعنى شيء وتعلَّق القصد بإفادته من الكلام شيء آخر فالمقصود بالإفادة قد يكون عين المستعمل فيه وقد يكون غيره وقد يكون واحد أو قد يكون متعدّدا وإن منعنا عن تعدّد المستعمل فيه كما هو الأشهر إذ لا ملازمة بين عدم جواز تعدّد المستعمل فيه وعدم جواز تعدد المقصود بالإفادة فإنّ الثّاني أمر غير منضبط يختلف باختلاف مقتضيات الأحوال بخلاف الأوّل فإنّه أمر توقيفي