فيه إن شاء الله تعالى وثانيا لو سلَّمنا ذلك فليس العنوان إلَّا ما تعلَّق به الأمر في ظاهر الخطاب فعنوان الوضوء هو الَّذي تعلَّق به الأمر ودعوى تعلَّق الأمر بالأفعال المعهودة لكونها محصّلة لعنوان آخر لا نعلم به كما علَّل به اعتبار ما يقوله المتكلَّمون من الوجه أي الوجوب والندب غير واضحة اللَّهمّ إلا أن يستدلّ عليه بالإجماع ويجعل ذلك فارقا بين التعبدي والتوصّلي وأن التوصّلي ما كان العنوان المقصود بالأمر هو مصبّ الخطاب والتعبدي ما كان العنوان فيه خارجا عمّا هو مصبّ الخطاب ظاهرا ولذا اعتبر في حصوله إيجاده بعنوان كونه مأمورا به حتّى تحقق قصد العنوان المقصود على سبيل الإجمال وثالثا أن قصد العنوان على تقدير اعتباره في تحقق المأمور به لا يغني عن قصد القربة الَّذي يعتبر في العبادات فلو أمر المولى بالضرب وعلم أن المقصود منه هو التأديب فغاية ما يترتب على اعتبار قصد العنوان اعتبار قصد التأديب في الضرب المأمور به وهذا وإن كان كافيا في تحقق الواجب إلا أنّه لا يكفي في وجوده على وجه العبادة بل لا بدّ أن يضمّ إلى القصد المذكور قصد الامتثال والضرب بعنوان التأديب امتثالا لأمر الآمر فهو مع التجرد عن قصد الامتثال لم يتحقق به التعبد والقربة المعتبرين في العبادات كما هو ومن الواضح أن الوضوء وغيره من العبادات مشروط بصدورها عن قصد امتثال الأمر وأين هذا من إيجادها بعنوان الَّذي كان هو المقصود بالخطاب وبين الأمرين بون بعيد كما لا يخفى على من عرف التعبدي والتوصّلي وثانيهما ما ذكره أيضا في الكتاب المذكور بقوله إن الفعل في نفسه ليست مقدّمة فعلية وإنّما يصير مقدّمة إذا أتي به على وجه العبادة فإذا أراد الشارع الصّلاة المتوقفة على تلك المقدّمة الموقوفة مقدّميتها على الأمر وجب الأمر به مع نصب الدلالة على وجوب الإتيان به على وجه العبادة بناء على أن وجوب قصد التعبّد في الأوامر إنّما فهم من الخارج لا من نفس الأمر فهذا الأمر محقق لمقدميته مغني عن أمر آخر به بعد صيرورته مقدّمة والمسألة محتاجة إلى التأمّل انتهى كلامه وتوضيحه على وجه يرتفع به غبار الإشكال عن وجه المقال أن لزوم الدّور إنما إذا توقف كون الوضوء عبادة على الأمر الَّذي تعلَّق به وهو ممنوع لأن الوضوء العبادي يتوقف على الوضوء وقصد القربة معا فلا بدّ هنا من أمرين أحدهما يكون متعلَّقا بذات الوضوء والثاني يكون متعلَّقا به مقيّدا بقصد القربة أي قصد امتثال الأمر فالأمر المتعلَّق بالوضوء متعلَّق به من غير اعتبار قصد القربة في متعلَّقه للزوم الدّور وهنا أمر آخر من الخارج ثبت بالإجماع أو غيره متعلَّق به مقيدا بقصد القربة أي امتثال الأمر الَّذي تعلَّق به أولا فالأمر الأول المتعلَّق بالوضوء توصلي محض أي لم يرد منه سوى إيجاد أفعاله في الخارج والأمر الآخر تعلَّق بالتعبّد وقصد القربة فيه لأنّه بدونه لا يكفي في تحقق الصّلاة فنفس الوضوء والتعبّد به كلاهما مقدّمتان وشرطان للصّلاة لا تصحّ إلا بهما فلا بدّ للمصلَّي من الوضوء ومن قصد القربة فيه فأمر الشارع أولا بذات الوضوء من غير اعتبار شيء ليتمكن من قصد القربة فيه ثمّ أمر به متقربا إلى اللَّه وإن شئت قلت إن الأمر الأوّل متعلَّق بالوضوء والأمر الثاني متعلَّق بالتعبد به فهاهنا أمران مقدّميان يستفاد ويتحقق منهما حقيقة الحال وهو إيجاد الوضوء قربة إلى اللَّه فإن قلت هذا خلاف الفرض إذ الكلام بعد الفراغ عن كون الأمر المقدّمي المتعلَّق بالوضوء عباديا وعلى ما قررت ليس الأمر به تعبديّا إذ التعبدي ما كان الغرض منه التعبد بالمأمور به فإذا كان الغرض من الأمر بالوضوء نفس الفعل خرج عن كونه تعبديّا وهو خلف قلت الفرق بين الوضوء وغسل الثوب مثلا هو أن غسل الثوب مجرّدا عن القربة يكفي والوضوء مجرّدا عن القربة لا يكفي وهذا اصطلاح منهم يسمّون ما لا يكفي في الصّحة إلا مع القربة بالتعبدي ولك أن تقول إن الأمر المقدّمي التعبّدي هو الأمر الثاني الذي تعلَّق به مقيدا بالقربة إلا أن هذا أيضا لا ينطبق على ظاهر تعريف التعبد بأنّه ما كان الغرض منه التعبّد إذ الغرض من هذا الأمر المتعلَّق بالمجموع أي التعبد بالوضوء هو الصّلاة دون التعبد به لأنّ القيد داخل في موضوع هذا الأمر ومتعلقه وليس غرضا لهذا الأمر المتعلق بالمركب بل الغرض منه هو الصّلاة والحاصل أنّ ما ذكرنا هو حقيقة الحال انطبق على تعريف التعبّدي والتوصّلي أو لم ينطبق وربما يتوهم أن مرجع الجواب المذكور إلى كون الأمر الأول صوريّا جيء به توصلا إلى الأمر الثّاني إذ لولاه لم يمكن الأمر بالتعبد بالوضوء فالأمر بالوضوء ليس أمرا مقدّميّا حقيقة حتى يلزم منه الدّور حسبما قرر بل الأمر المقدّمي الحقيقي هو ذلك الأمر الآخر الَّذي تعلَّق بهذا الأمر الصّوري وهذا توهم واضح الفساد أمّا أوّلا لأن الأمر بالوضوء أمر حقيقي لأن الأمر الحقيقي ما كان الغرض منه هو حصول المأمور به والصّوري ما كان الغرض منه حصول غير المأمور به كالأمر الامتحاني والصّادر عن تقية ونحو ذلك والأمر بالوضوء أريد منه أفعاله فكيف يكون صوريّا وثانيا أنّ الأمر الصّوري لا يجدي في حق العالم بالحال وإنّما يجدي