فلا يعلم إلَّا ببيان المتكلَّم ذلك وهو كما ترى بمثابة من الاستهجان فافهم وتدبّر فإنّه دقيق جدّا تنبيهات فيها تحقيقات الأوّل استشكل صاحب المعالم على القول بالوجوب بعد ما اختاره وأقام الدليل عليه بما حاصله أنّ فائدة ثبوت وضع الصيغة للوجوب هو حمل الأوامر الشرعية المجرّدة عن القرينة الكاشفة عن المراد على الوجوب وبعد ما شاع استعمال الصّيغة في عرفهم في الندب بحيث صار من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة لا تبقى للقول بالوجوب فائدة إذ لا يحكم مع ذلك بوجوب الشيء بمجرّد الأمر به في أحاديثنا المروية عن الأئمة عليهم السّلام وأورد عليه سلطان العلماء بأن شيوع استعمال اللَّفظ في المجاز إن كان مع القرينة المتصلة فذلك لا يبلغ درجة المجاز المشهور الَّذي يساوي فيه الاحتمالين عند عدم القرينة إذ لا سنخية بينه وبين غيرها وإن كان مع عدم القرينة أمكن القول بذلك لكن إثبات شيوع الاستعمال كذلك مشكل جدا ورده بعض المحققين بأن أكثر الاستعمال في المجاز توجب بنفسها الأنس به وقربه إلى الأذهان وكلَّما ازدادت ازداد القرب إلى أن ينتهي إلى حدّ استوائه مع الحقيقة ولا مدخلية لاتّصال القرينة وانفصالها أبدا إذ لا مانع من البلوغ إلى الحدّ المذكور بسبب كثرة الاستعمال مع القرينة المتصلة أيضا وربما يؤيد ذلك بأن كثرة التخصيص في العمومات مطلقا متصلا كان المخصّص أو منفصلا توجب الوهن ولذا لا يعمل بها قبل الفحص عن المخصّص من غير ملاحظة جهة اتصال المخصّص وانفصاله قلت وفي كلّ من الرّد والتأييد نظر يعلم بإعمال الفكر وإمعان النظر فليتدبّر ثم إنّه بعد ذلك أجاب عن صاحب المعالم بأن الغلبة القاضية بمساواة المجاز مع الحقيقة غير متحققة في الأوامر كما يشهد بذلك ملاحظة إجماع الصّحابة والتابعين على حمل الأوامر الشرعيّة على الوجوب إذ لو شاع استعماله في النّدب في عرفهم لما فعلوا ذلك مع أنّه إن أراد من الأحاديث هي الأحاديث المرويّة عن الأئمة عليهم السّلام كما هو ظاهر كلامه فلا يؤثر ذلك في نفس الأوامر الشرعيّة إذ ذلك إنما ينفع لما بعد تحقق الغلبة لا بالنّسبة إلى ما تحقق به الغلبة وإن أراد منها الأحاديث المروية عن بعضهم فلا يؤثر فيما ورد عما عداه لا سيّما عمّن تقدّم عنه وإن أراد بلوغ استعمال الأمر في الندب إلى حدّ المجاز المشهور في كلّ من الأحاديث المرويّة من كلّ منهم بأن ادّعي شيوع استعماله في النّدب في عرف كلّ واحد منهم عليهم السلام فهو بديهي الفساد كما لا يخفى هذا والَّذي يقتضيه التحقيق والنظر الدّقيق في المقام هو أنّ غلبة استعمال لفظ في معناه المجازي وإن أوجبت إجماله أو هجر معناه الحقيقي على اختلاف مراتب الغلبة إمّا مطلقا كما رأيته عن بعض المحققين أو مع انفصال القرينة كما عليه السّلطان وجلّ المحققين ولكنه مختصّ بغير الهيئات والكلَّيات إذ لا ينتهي الاستعمالات المتكثرة فيها إلى جامع لفظي صالح لعروض الإجمال أو النقل عليه وهذا هو الوجه في عدم إجمال العمومات مع غلبة التخصيص وشيوعه حتى قيل فيه ما من عام إلا وقد خصّ وإن توقف العمل بها على الفحص عن المخصّص في الجملة إلا أنّه غير الإجمال الَّذي لا ينفعه الفحص لأنّ ألفاظ العموم مختلفة متشتتة ليس بين موادها جامع لفظي وعنوان العام عنوان انتزاعي غير قابل لانتساب الإجمال والنقل والظهور وغيرها ممّا هو من صفات الألفاظ إليه نعم لو كثر التخصيص في عام عرضه الإجمال لكنه لا يوجب القدح في ظهور عام آخر في دلالته على العموم وأمّا عدم اعتبارها عندهم قبل الفحص فإنّما هو من جهة احتمال المعارض وهي جهة أخرى غير جهة ظهورها في إفادة معناها الحقيقي فالمستشكل إن أراد من شيوع استعمال الأمر في الندب في عرف الأئمة غلبة استعمال صيغ الأمر في الندب مطلقا غائبا كان أو حاضرا مجرّدا كان أو مزيدا فيه فهي كما في العمومات لا يكاد ينتهي استعمالاتها إلى جامع لفظي إذ ليست بينها مع كثرة الاختلاف فيها هيئة ومادّة خاصة صالحة لعروض الإجمال عليها وكونها دالة على الطَّلب عنوان انتزاعي خارج عن مقولة الألفاظ وغير صالح لقبول صفات الألفاظ من الحقيقة والمجاز والإجمال والنقل ونحوها وإن أراد منه خصوص الأوامر المجرّدة من الأمر الحاضر فكذلك أيضا إذ لا جامع بين صيغ أمر الحاضر من مفتوح العين ومضموم العين ومكسور العين وإن أراد منه خصوص ما هو على زنة افعل خاصة دون غيرها فمع أنّه كسابقه خلاف ظاهر كلامه مندفع بأنّ الهيئة الكلية ليست من الألفاظ ولا من عوارضها حتى يعرض غلبة الإجمال أو يصحّ انتساب النقل إليه وهذا مبني على كون الوضع عاما والموضوع له خاصّا كما هو مختار بعض المحققين خلافا لصاحب المعالم ولنا فيما سبق في باب الأوضاع حيث قلنا هناك بأن الموضوع هي الهيئة الكلية دون خصوصيات الصّيغ فهيئة افعل مثلا أو فاعل أو مفعول آلة لملاحظة جزئيات خارجية مندرجة تحتها والموضوع له هي أشخاص الصّيغ العارضة للموارد المخصوصة من القيام أو القعود والضّرب والأكل والشرب ونحوها من المصادر ومواد الأفعال وحينئذ فصيغ الأمر في الحقيقة ألفاظ مترادفة كالإنسان والبشر فلا يقاس أحدهما بالآخر ولا يوجب غلبة استعمال أحدهما في شيء ظهور الآخر في ذلك الشيء كما لا يوجب غلبة التجوز في لفظ الإنسان إجمال لفظ البشر والحاصل أن الضّابط في المقام هو أن ينتهي الاستعمالات المتكثرة في المعنى المجازي إلى جامع