جاز التمسّك فيه بالتبادر وغيره من طرق الأوضاع وإن رجع إلى البحث عن الملازمة بعد الاتفاق على المطابقة كان المرجع فيه هو الوجدان أو البرهان دون التبادر ونصّ أهل اللَّسان فافهم ومنها الإرشاد وهو أيضا في غاية الكثرة في الكتاب والسّنة أو العرف واللَّغة ومنه قوله تعالى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم وقوله وأشهدوا إذا تبايعتم وجميع ما تعلَّق بأبواب المعاملات من أجزائها وشرائطها وجميع أوامر النصّاح والوعّاظ والأطبّاء إلى غير ذلك ثم إن كون الإرشاد إنشاء مغاير للطَّلب على حدّ سائر الإنشاءات المغايرة له كالتّمني والترجي ونحوهما فيكون قسيما للطَّلب أو قسما منه قسيما للوجوب والندب أو إخبارا محضا عن المصلحة فيكون الأمر مستعملا في الخبر كما أن الخبر قد تستعمل في الإنشاء كصيغ العقود ونحوها وجوه وأقوال والَّذي لعلَّه يظهر من بعض المحققين في بعض كلامه هو الأوّل حيث قال إن العاقل لا يكون طالبا لما هو مبغوض له واقعا مع أن الأمر الإرشادي قد يتعلَّق بما هو مبغوض للآمر وهو ظاهر كلامهم في تعداد معاني الأمر لأن قضية المقابلة أن يكون الأمر الإرشادي مباينا لها ونقل من بعض أنّه قسم من الطلب الغير الإلزامي لكنه مغاير للأمر الندبي بأن مصلحة النّدب مما يرجع إلى الآخرة بخلاف مصلحة الأمر الإرشادي فإنها راجعة إلى الدنيا وصريح بعض وظاهر غير واحد أنه محض الإخبار عن المصلحة الداعية إلى الأمر فيكون الفرق بينه وبين الوجوب وسائر الإنشاءات فرق الإخبار عن الإنشاء أقول أمّا القول الأوّل فلا يساعده برهان ولا وجدان أمّا الوجدان فواضح إذ الوجدان قاض بأنّه قسم من الطَّلب وأمّا البرهان المذكور ففيه أوّلا أنه معارض بمثله إذ كما أن العاقل لا يطلب مبغوضه فكذا لا يرشد إلى مبغوضه وثانيا أن مصلحة النصح والإرشاد أيضا ممّا تصلح أن تكون داعيا إلى الأمر ولو بالعرض فيكون المرجوح بالذات راجحا بالعرض فلا مانع من تعلَّق الطَّلب بالمبغوض تعويلا إلى محض الإرشاد وثالثا أنّ ذلك مبني على القول بالكلام النفسي فإنّه على القول به أمكن أن يقال إن الإرشاد إنشاء مستقلّ كسائر الإنشاءات وأمّا على المختار من أنّه ليس في نفس الأمر شيء ورى الإرادة وأنّ المقصود من ذكر الصّيغة ليس إلَّا إظهارها والإعلام عنها لأيّ غرض كان سواء كان ذلك لنفس محبوبية الفعل أو محبوبية إتيان المأمور أو لجهة خارجية من ثقة ونحوها فلا كما لا يخفى وأمّا القول الثاني وهو الفرق بملاحظة مصلحة المأمور به من حيث كونها دنيوية وأخروية ففيه أوّلا أنه يلزم منه خروج أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرّسول ونحوهما من أوامر الإطاعة عن كونها إرشاديّا ودخولها في الأوامر الشرعيّة لأنّ المصلحة الباعثة إليها كلَّها راجعة إلى الآخرة مع أن كونها أوامر إرشادية ممّا لا سترة عليه ولا ينبغي الإشكال فيه ويلزم أن يكون ما تعلَّق من التكاليف بالمآكل والمشارب الضارة أو الأفعال الموجبة لبعض المفاسد الدّنيوية من نحو البرص والجذام والفقر والهلاك وما ضاهاها من المضار الدنيوية كلَّها أوامر إرشادية مع أنّها جلَّا بل كلَّا أمور تعبّدية محضة وإن كانت مصالحها راجعة إلى الدّنيا وليست من الإرشادية الَّتي جعلوها قسيما للوجوب والندب قطعا فتعريف الإرشادي بما كان المصلحة الدّاعية مصلحة دنيوية فاسد طردا وعكسا وثانيا أنّه لا يتم في الأوامر العرفية ضرورة أنّه يلزم على ذلك أن يكون الأوامر العرفية كلَّها إرشادية وهو باطل بالضّرورة لأنّ أوامر الموالي كلَّها أوامر مولوية مقصود بها الإطاعة وليست كأوامر الأطبّاء مثلا مسوقة لمحض الإرشاد إلى خير المأمور فهذا التعريف لو صحّ فإنّما يصحّ في خصوص الأوامر الشرعية دون غيرها ولعلَّه لأجل التعميم فسّره بعض بما كان مصلحة الأمر راجعا إلى المولى دون المأمور فإن هذا التعريف يصلح ميزانا للفرق بين الإرشادي وغيره في خصوص الأوامر العرفية لكنّه لا يصلح ميزانا للفرق في الأوامر الشرعيّة فالفرقان فاسدان بوجهين متعاكسين هذا ويمكن الذّب عن الأوّل بأن دعوى بطلان اللَّازم مصادرة إذ لا مانع من جعل أوامر الإطاعة أوامر شرعية وتسميتها أوامر إرشادية ممّا لا يساعده اصطلاح ولا اعتبار وهل هو إلَّا تخرج بلا مدرك والحاصل أنّه يمكن جعل الفرق بين الأمر الشرعي والأمر الإرشادي بما ذكر وحاصله أن كلّ أمر من أوامر الشارع سبق لأجل التبليغ إلى مصالح الآخرة فهو أمر شرعي تعبّدي وضع الشرع لأجله سواء كان بلا واسطة أو بواسطة المفاسد الدنيوية فإنّها كلَّا أو جلَّا قنطرة إلى المفاسد الأخروية وإذا كان المفسدة ممّا لا تعود إلى الآخرة أصلا كبعض المفاسد الدّنيويّة الَّتي ليست مستحبة ولا مكروهة في الشّرع لكنّها متعلَّقة للأمر لا الكتاب أو السّنة مثلا مثل قوله تعالى فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ونحوه مما لا يترتب على مخالفته وموافقته سوى فوت الغرض الدّنيوي فهذا أمر إرشادي أي ليس الغرض منه سوى الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية الَّتي هي خارجة من مقاصد الشارع الباعثة على وضع الشرع ولو كان مما تعود إليها فهي أوامر شرعية سواء تعلَّقت بالمفاسد الدّنيوية أم لا فالمراد من المصلحة الدّنيوية ما كانت خالصة للدنيا غير عائدة إلى الآخرة أبدا والظاهر أن اصطلاح العلماء رحمه الله بهذا أوفق من كلّ ما قيل أو يقال في تعريف الإرشادي لأن كون أطيعوا اللَّه أمرا إرشاديا ممّا لا يقول به أحد وإنّما هو مبني على أن يكون الفرق بين الإرشادي وغيره شيئا راجعا إلى صفة الوجوب والندب من ترتب الثواب و