الوجود ودعوى حصول هذه القوة لكل أحد ادّعاء لخلاف البديهي ولعلَّه أراد من الدّليل ما كان دلالته على الحكم غير موقوفة على مراعاة شيء من القواعد العربيّة والأصولية والأمر حينئذ كذلك لكن نقول إنّ ملكة الفقاهة عبارة عن قوة استنباط الحكم عن الدّليل الَّذي كانت دلالته موقوفة على مراعاة تلك القواعد كالتخصيص والتقييد ونحوهما إلا الدّليل الَّذي لا يتوقف على شيء من رؤس المسائل الأصولية والعربيّة كما أن ادّعاء اعتبار فوق هذه القوّة في صدق الفقاهة أيضا مصادمة للبديهي وإلَّا خرج علم أكثر القدماء عن التعريف لأنّهم كانوا يستنبطون الأحكام عن الأدلَّة من غير مراعاة المداقات الَّتي بلغ إليها أفهام المتأخّرين في فهم مداليل الألفاظ بل يلزم أيضا عدم صدق الفقيه على الأخباريين حيث يزعمون أنّ تميز الدّلالة المطابقة من وجوه الدّلالات لا عبرة بها في فهم الأحكام عن الأخبار حتى إنّ بعض من مال إلى طريقتهم كالفاضل التوني صرّح بعدم جواز تقليد من يراعي الالتزام والتضمّن في مداليل الأخبار فكيف يدعى أنّ الفقه المصطلح لا يكفي في صدقه قوة معرفة الأحكام عن الأدلَّة الواضحة وأمّا ما ذكره ثانيا من عدم الإشكال لو حمل الأحكام على الظَّاهرية ففيه من الخطإ الَّذي لا ينسب إلَّا إلى طغيان القلم لوضوح أن مناط الفقاهة ليس هي ملكة معرفة خصوص الأحكام الظَّاهرية ولو أراد بالأحكام الظَّاهرية مما يعمّها والواقعيّة على احتمال بعيد في عبارته فما زعمه من الإشكال يرد حينئذ بطريق أولى لأنّه إذا امتنع عادة حصول ملكة معرفة جميع الأحكام الواقعية خاصّة فامتناع حصول ملكتها مع ملكة معرفة الأحكام الظَّاهرية بطريق أولى نعم لو أريد بملكة معرفة الأحكام الواقعية والظَّاهرية ملكة أحد الأمرين إمّا الواقعية إن تيسّر باعتبار وجود مدركها أو الظَّاهرية على تقدير عدم وجود المدرك الواضح كان الفرق بينه وبين إرادة خصوص الأحكام الواقعية من حيث تيسّر الملكة وتعسّرها واضحا ولكن هذا المعنى إرادته من الجمع المحلى باللام غلط فاحش كما لا يخفى إلا أن يلتزم بحمل اللَّام على الجنس وهو خروج عن الفرض وإن أراد مجرّد تصحيح حمل العلم على الملكة على تقدير كون المراد بالأحكام الظَّاهرية وإن كان هذا التقدير ممتنعا في التّعريف فالإيراد عليه ساقط لكنّه كلام لا ينبغي صدوره من مثل هذا المحقق لأن إبداء أمر بديهي البطلان لتصحيح أمر نظري البطلان خارج عن دأب المحصّلين فالحق أن جواب صاحب المعالم رحمه الله هذا الَّذي يوافقه ما في غاية المرام سالم عن إشكال شيخنا البهائي ولذا لم يلتفت إليه محشوّ المعالم من المحقّقين والمدققين نعم فيه أنّه مبني على كون الفقه كسائر العلوم اسما للملكة وقد عرفت فساده سابقا مضافا إلى عدم ملائمة حمل العلم في التعريف على الملكة للتّعدي بالباء وقيد عن أدلَّتها إلَّا بتكلَّف بارد أشرنا إليه سابقا ثم إن المحقق المشار إليه تفصّى عن الإشكال المزبور بحمل الجمع على الاستغراق العرفي وبنى ذلك على ما زعمه وقرّره فيما تقدّم من كلماته من مقدّمتين إحداهما عدم كون أسامي العلوم موضوعة لملكاتها والأخرى اعتبار الكثرة الَّتي يترتب عليها فائدة وضع العلم في مفهومها وعدم كفاية العلم ببعض مسائلها ولو في ضمن واحد في صدق أساميها أقول أمّا المقدّمة الأولى فقد ساعدهما نظرنا أيضا قبل العثور بكلامه وأما المقدّمة الأخيرة فللمنع فيها مجال لأنّا نمنع اعتبار الكثرة في صدق اسم الفقه أو النّحو مثلا وندّعي أن كلّ مسألة من مسائل النحو أو العلم بها مندرج تحت الاسم وأنّه اسم جنس يطلق على القليل والكثير ودعوى عدم مساعدة الاستعمالات لذلك غير ثابتة بل الثابت صدق الفقه مثلا على آحاد المسائل أو العلم بها وكذلك النحو ودعوى عدم صدق الفقيه والنّحوي على من علم مسألة من العلمين أيضا ممنوعة بل الظَّاهر الصّدق ولو مع عدم معرفة شيء من المسائل إذا كان له قوة المعرفة واحتمال كون ذلك مجازا تنزيلا لقوة معرفة الكلّ أو القدر الكثير منه منزلة الفعليّة لا دليل عليه إذ لا منافاة بين مجازيّة الفقه في الملكة وحقيقية الفقيه في صاحبها بناء على ما قدّمنا من أنّ الملكة تستفاد من الصّيغة لا من المادة وعلى تقدير كونه مجازا فالمناسبة المصححة للتجوّز تمنع كونها تنزيل قوة الكلّ أو القدر الكثير منزلة الفعليّة بل ندعي كونها تنزيل قوة البعض منزلة الفعليّة وعلى تقدير تسليم اعتبار الكثرة في صدق الفقيه لا يستلزم مدّعاه أيضا من اعتبارها في صدق الفقه لأنّ مفاد الهيئات ربّما تزيد عن مداليل المواد كما لا يخفى ثمّ العجب من هذا المحقّق أيضا حيث اعتبر مع الكثرة قوة معرفة الكلّ وادّعى تلازمهما في الخارج ولم يتفطَّن إلى ما سبق منه في انتصار البهائي رحمه الله من امتناع حصول ملكة الكلّ عادة وأورد على الثّاني أيضا بوجوه الأوّل أنّ الفقه على تقدير حمل الأحكام على الجنس يصدق على العلم بمسألة واحدة مع أنّ الكثرة معتبرة في أسامي العلوم والثاني أنّ عدم انفكاك العلم بالبعض عن العلم بالكلّ على القول بعدم جواز التجزي مبني على كون المراد بالجواز الإمكان العقلي وأمّا لو كان المراد به عدم الجواز الشرعي أعني ترتب الأثر كما هو الظَّاهر من بعض أدلَّة الطرفين حيث يستدلَّون على حجية ظنّ المتجزي وعدمه فالانفكاك معقول مسلَّم عند المانعين أيضا والثالث أنّ القائل بعدم التجزّي بكلا المعنيين إنّما يقول به في المسائل الاجتهاديّة النظريّة وأمّا العلم ببعض الأحكام ضرورة فلا كلام في حجّيته ولا في إمكانه لغير المجتهد المطلق أيضا ودعوى أنّ العلم الحاصل ضرورة ليس من الفقه على إطلاقها ممنوع لأنّ بعض الضروريات كضروريات المذهب مندرج في الفقه والرابع أنّ إمكان علم الاجتهادي ببعض الأحكام دون بعض في عصر الإمام عليه السلام أمر متفق فيه ولو على القول بعدم التجزي لأن القائل به إنّما يقول به في هذه الأعصار لتوقف معرفة الأحكام حينئذ على الاجتهاد من صاحب الملكة وأمّا بالنّسبة إلى عصر الإمام عليه السلام فلا ريب في إمكان العلم ببعض الأحكام دون