من الناحية الأصولية وإن كان البحث الكلامي حول الحكم العقلي في قبح التجرّي واستحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به يذكر استطراداً . وعلى أيّة حال فإنّ البحث في هذه المسألة يتمّ من جهة وقوعها كمقدّمة في عملية استنباط الحكم الشرعي سواءً كانت بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، وهي بذلك تمثّل عنصراً مشتركاً في العملية المذكورة ممّا يكسبها صفة المسألة الأصولية . لتوضيح ذلك نطرح السؤال التالي : إنّ المولى عندما يحرّم شيئاً أو يوجبه على المكلّف ، أتختصّ هذه الأحكام بمصاديقها الواقعية ، أم هي أعمّ منها وممّا يقطع به المكلّف أنّه مصداق ؟ فمثلاً : أتقتصر الحرمة على شرب الخمر الواقعي ، أم تشمل كلّ ما يعتقد المكلّف أنّه خمر ، سواءً كان خمراً واقعاً أو لا ؟ بناءً على الثاني سوف تكون حرمة التجرّي كحرمة المعصية على حدٍّ سواء ، وعليه فلا بدّ من التحقيق في مسألة وهي اختصاص العناوين المأخوذة في متعلّقات أحكام المولى بمعنوناتها الواقعية ، أو أنّها أعمّ منها وممّا يقطع المكلّف بأنّه منها . استناداً إلى ذلك سوف تمثّل هذه المسألة عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط الفقهي . في ضوء معطيات الكلام المتقدِّم يقع البحث حول التجرّي في مقامات ثلاثة : الأوّل : قبح التجرّي عقلاً . الثاني : استحقاق العقاب على الفعل المتجرّى به . الثالث : حرمة التجرّي شرعاً .