تمهيد جرت كلمات الأصوليّين على إدراج بحث التجرّي بعد الفراغ من بحث حجّية القطع مباشرةً . ومنشأ التناسب بين البحثين هو أنّهم بعد أن أثبتوا حجّية القطع وأنّ للمولى محاسبة المكلّف على التكاليف التي قطع بها ، صاروا بصدد الإجابة عن السؤال التالي : هل الحجّية الثابتة للقطع تجري مطلقاً - أي سواء كان القطع مطابقاً للواقع أو لا - ولا تقتصر على القطع المطابق للواقع ؟ بعبارة أخرى : هل أحكام القطع المطابق للواقع والقطع غير المطابق للواقع واحدة من ناحية الحجّية والآثار العقلية ؟ فموضوع هذا البحث : « أنّ أيّ تكليف ، يتنجّز على المكلّف ، سواء كان بمنجّز عقليّ كما في موارد القطع والاحتمال المنجّز ، أو شرعيّ كما في الأمارات والأصول المنجّزة . فإن صادف الواقع بأن كان التكليف الواقعي الإلزامي موجوداً في البين وخالفه المكلّف ، فهذا عصيان قبيح يستحقّ فاعله العقاب بلا كلام ، وإن لم يصادف وخالفه المكلّف فهو التجرّي الذي يبحث في هذه الجهة عن قبحه واستحقاق فاعله للعقاب أو حرمته » [1] . في ضوء ذلك ينبغي التحقيق في بحث التجرّي في أنّ المخالفة الاعتقادية هل تجري عليها أحكام المخالفة الواقعية من القبح العقلي واستحقاق العقاب ؟