مؤثر، ضمن المشروع الأوروبي الذي يناسب مع معطيات
المرحلة. وعليه «لم يكن السكان المسيحيون واليهود،
كذلك اليزيديون يرغبون في المشاركة بمغامرات (الدولة) العثمانية العسكرية، وبعد
إصدار قانون تطبيق الخدمة العسكرية على غير المسلمين في 1909م، بدأ هؤلاء يحاولون
التهرب من الخدمة العسكرية. بمختلف الوسائل..»([137]). إن هذه الأرضية في واقع الاقليات قد
نضّجتها إلى درجة الخصوبة، مخططات أوروبا والصهيونية بالذات، عبر تفعيل أمرها
ثقافياً وسياسياً، وإبراز دورها السياسي والاقتصادي المغمور نتيجة السياسة
العثمانية. والسؤال الصعب الذي تطرحه هذه الحالة هو: هل كان بإمكان الدولة
العثمانية أن تستوعب الاقليات وتفتح أمامها آفاق العمل السياسي والإداري داخل
البلاد الإسلامية! وبشكل يرضي طموحها الخاص، وطموح الطامعين من ورائها؟ إنها
المعاناة الحقيقية لكل نظام إسلامي تتعايش في أوساطه أقليات بتلك الظروف الذاتية
والموضوعية. لذلك «ومنذ أن أحرز الإنكليز تفوقاً على
منافسيهم الفرنسيين في العراق، عمل القناصل والوكلاء الإنكليز، على رسم دور سياسي
واقتصادي مباشر، وآخر مستقبلي للجماعات غير المسلمة، ومن ثم توظيف هذا الدور في
خدمة النفوذ والتغلغل الإنكليزي، وبالاستفادة من نزعة هؤلاء للدول الأوروبية،
كمراكز تبشير، والتي نمّتها الحركة التبشرية، وحيث ساهم نظام الملل العثماني في
توفير شروط مهمة لتحقيق هذا الدور، فإن تسليم هذه الجماعات قيادة العملية
التجارية، بعد التجّار الإنكليز، شكّل شرطاً مادياً آخر لربط هذه الجماعات
بالمصالح الإنكليزية، والأوروبية عموماً. وقد استكمل ذلك بمباشرة الإنكليز الإفصاح
عن وصايتهم على هذه الجماعات.. فضلاً عن تمويل رؤساء هذه الجماعات بالمال،
علانية..»([138]).
«ففي عام 1913م [1331هـ]، اقترح القائم بأعمال القنصل
البريطاني ببغداد، بأن تقدم للمبشرين مساعدة مالية، وأن يتوجه وزير الخارجية
البريطاني (أدور كري) إلى الجمعية الأوروبية للاستعمار باقتراح رسمي يقضي بالصرف
على مدرسة، لتدريس اللغة الإنجليزية، وأوصى فضلاً عن ذلك. بمساعدة الآثوريين
النساطرة، ودافع عن فكرة توسيع نظام الري بإشراف الإنجليز، حيث كتب يقول: من المهم
السيطرة على النظام، وتكوين دولة داخل دولة»([139]).