ولو كان الوحي من
تأليف النبي (ص)، لما تأخر كل هذه المدة لشيء
يحبه ويشتهيه ويتشوف إليه ويتحرق شوقا له، ولكنه وحي الله ولا ينزل إلا بأمر الله
وإذنه.
التفت إلى فرانكلين، وقال:
هل يمكن للمحتال ألا يفهم ما يقوله بحيث ينتظر أن يشرح له، أو يفصل، أو يبين؟
سكت فرانكلين، فقال
الحكيم: إن الذي استطاع أن يؤلف كل تلك المسرحية الطويلة التي تزعمها لا يستحيل
عليه مثل هذا، ولكن النبي (ص) لم يكن يدرك في
بعض الأحيان بيان بعض ما يوحى إليه إلى أن يوحى إليه بتفسيره.
سأضرب لك أمثلة عن هذا:
عندما نزل قوله تعالى:﴿
وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾
(البقرة:284) انزعج الصحابة انزعاجا شديدا، وداخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من
شيء آخر ؛ لأنهم فهموا منها أنهم سيحاسبون على كل شيء حتى حركات القلوب وخطراتها؛
فقالوا: يارسول الله أنزلت علينا هذه الآية ولا نطيقها، فقال لهم النبي a:(أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من
قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، فجعلوا
يتضرعون بهذه الدعوات حتى أنزل الله بيانها بقوله:﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً
إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا
تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا
تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
(البقرة:286)، وهناك علموا أنهم إنما يحاسبون على ما يطيقون من شأن القلوب ، وهو
ما كان من النيات المكسوبة والعزائم المستقرة، لا من الخواطر والأماني الجارية